
قبل ربع قرن تقريبا، كان ممثلو التاريخ الرسمي من الراسخين في العلوم الإنسانية، والذين تسمرت مؤخراتهم على كراسي الأستاذية، يبتسمون بسخرية، وينظرون بشفقة إلى أولئك الهراطقة من المؤرخين الجدد، فتاريخ الحقب والأمبراطوريات وسلالات الملوك، والأحداث والحروب، هي من المسلمات والحقائق الساطعة كالشمس، وما تم تشييده في القرن السادس عشر بواسطة المؤسسين العظام من أمثال سكاليغر وبيتو، أصبح كالرواسي لايهتز أمام تخرصات بعض الصعاليك، الذين بدوا وكأنهم جزء من موجة الهستيريا التي ضربت العقلانية الأوروبية( أواخر القرن العشرين) وبإمكان المرء أن يبتسم لهم كما يفعل مع مشعوذي الأطباق الطائرة، أوأنصار العلاج بالأعشاب، والإيزوتيريك ( والتأمل واليوغا والتصوّف) لكن الأمر بدأ ينقلب تدريجيا، فتلك العلوم الراسخة( وفق نظرية المرحوم أبو عمار: يا جبل مايهزك ريح ) بدأت منذ عام 1980م تتلقى أسئلة محرجة، حتى بدأ الشك يتسرب إلى الأكاديميات نفسها( التي مازال أساتذها يرطنون باللاتينية خلال بروتوكول تقليد شهادات الدكتوراة للطلبة )لكن من هم أؤلئك الصعاليك، الذين سببوا كل هذا الإزعاج والصداع؟؟ ولماذا أصبحت كتبهم تثير لهفة القراء،، بعكس الكتب التقليدية التي تعود أكداسها إلى مخازن الناشرين؟ كيف يجرؤ هؤلاء، على التشكيك بالمسلمات والحقائق والعقائد وتاريخ الأديان وبتسلسل الدول وسلالات الملوك والمعارك، وبالتقاويم والأزمنة المعتمدة؟
من يكون هؤلاء، وما هي أرضيتهم، ودوافعهم، ولماذا يطالبون بإعادة بناء التصورات التاريخية، وترميم فجواتها، ولماذا يعتقدون أن التاريخ الرسمي قام على النحل والتزوير والإختلاق؟؟ وهل يمكننا ياترى أن نتصور مثلا بأن الأمبراطورية الرومانية وكتابات الأنتيكا أو تاريخ المسيحية مجرد إختلاق لرهبان عصر النهضة!! ولو أردنا أن نسقط ذلك على تاريخ العرب والمسلمين، هل يمكننا التشكيك بأحداث كبرى من قبيل ملحمة كربلاء أو بداية الدعوة في الحجاز أومعركة صفين أو حتى المداعبات الجنسية المثيرة بين هارون الرشيد وزبيدة( كما صورها أحد المسلسلات العربية ) فالباحثة أنجليكا ميلر تجزم بأن مرسلات شارلمان مع هارون الرشيد، هراء لاتؤكدها المصادر اللاتينية أو العربية، خصوصا تلك الهدية الشهيرة التي أرسلها أمير المؤمنين، وتؤكد أن المرويات العربية عن هذا الخليفة العباسي، أقل مصداقية من روايات ألف ليلة وليلة، فهل هو كشارلمان شخصية وهمية نسجها القصاصون!!
وبإختصار ولتعميم الفائدة، أود أن أقدم هذا التيار من النقاد ( أو المهرطقين أو المجانين كما يحلو للبعض تسميتهم ) آملا التعرض لاحقا إلى منهجهم النقدي التشكيكي، فهم بكل الأحوال لايشكلون مدرسة متجانسة بعينها، بل تيارا إحتجاجيا صاخبا ( جذب القراء ووسائل الإعلام بقوة ) وحرك المياه الراكدة. أما السبب وراء إهتمامي الشخصي فيعود إلى غضب مكبوت( تجاه تاريخنا المؤسطر ) ومحاولة متواضعة للتعريف بهذا التيار، والإضاءة على إشكاليات النقد ، التي تتميز بسقوط المسلمات واليقينيات، والعودة مجددا لتفحص الوثائق والمخطوطات والمسكوكات وأنماط العمارة..إلخ، أما الدافع الأخير فهو عبارة عن تعاطف، بسبب الحملة المبطنة ضد هذا التيار، حيث يصار بين الفينة والفينة إلى إتهام بعض كتابه ( بعداء السامية ) تلمحيا أو تصريحا، وهي تهمة جاهزة ومرادفة يُوصم بها عادة من يحاجج مراكز الأستذة الآكاديمية في جامعات الغرب( خصوصا أقسام العلوم الإنسانية )، التي يسودها تنافس وظيفي صامت وسلطوية هرمية ذات( طابع يهومسيحي) تخشى من إهتزاز الصورة العامة للتاريخ الرسمي السائد أو تهافت معتقداته (الأورو مركزية). وأجد من المناسب وتذليلا للصعوبات االمركبة، تقديم نبذة أولية عن هؤلاء، في محاولة للتعرف على الأطار العام لأفكار هذه الجوقة، والتي تدعو بإختصار إلى إعادة بناء وتركيب التاريخ البشري والطبيعي وتشذيبه وتقصير حقبه الزمنية
W. Kammeier
وُلد فيلهم كامماير عام 1889م، وبدأ عام 1926 بكتاب عنوانه: التزوير الكوّني للتاريخ، الذي لم يعثر، على ناشر يحمل ذنوبه، ولم يحظى بقبول واعتراف الأكاديمية العلمية البرويسية في برلين، ثم كتب: النحل( التزوير) في التاريخ الألماني عام 1935م وأيضا لم يحظى بإعتراف السلطة النازية الصاعدة، وفي نهاية الحرب وقع في أسر الحلفاء، وأطلق سراحه وعاد إلى مقاطعة تورينغن في ألمانيا الديمقراطية ( رحمها الله )، وكتب عام 1956 أهم أعماله وهو: النحل في تاريخ الكنيسة القديمة أيضاً لم تسمح السلطة الشيوعية بطبعه!! وأخيراً توفي عام 1959م بسبب سوء شديد في التغذية، وصراع مع البطالة والجوع!!( وهذا تحذير جدي، لذا يُنصح بشراء كيس من الدقيق لأوقات الشدة ؟) ولولا أن إلتفت إليه المؤرخ الألماني هانس أولريخ نيميتس وأذاع أعماله لاستمر قابعاً في غياهب النسيان، وقد لخص كامماير أعماله قائلا: أكتبُ لدوافع تنويرية نبيلة، فتاريخ مزوّر، هو خطر جسيم على الحضارة، لأنه يمنح مفاتيح خاطئة تؤدي إلى معرفة ووعي خادع، سرعان ما يتحوّل إلى وقود لصراعات قادمة
Christian Blِöss
فيزيائي ألماني يعمل في برلين، ومن مواليد 1957 وأحد النقاد القساة للداروينية، عُرف بكتابه ( الآخر في داروين : عام 1988 ) وكتاب ( كواكب وآلهة وكوارث 1991) وهو من المتحمسين لفرضية هربرت إليغ عن القرون الوسطى المختلقة( وهي فرضية سيتكرر الحديث عنها، بسبب دورها المحوري في أعمال هؤلاء النقاد وتشير إلى أن التاريخ بين 614م و911م هو زمن شبحي، لذا فهم يطلقون تلك 297سنة إسم السنوات الشبحية أو الوهمية ) وكذلك فقد إشترك مع هانس نيمتس في كتاب ( إنهيار نظرية الكربون14)وفيه نقد جوهري لطرق التزمين بواسطة علوم الطبيعيات.وهذا الكتاب من أهم الدراسات النقدية التي تعرضت لمدرسة ليبي مكتشف نظرية الكربون 14، والحائز على جائزة نوبل؟
Eugen Gabowitsch
فيزيائي ألماني يعمل في برلين، ومن مواليد 1957 وأحد النقاد القساة للداروينية، عُرف بكتابه ( الآخر في داروين : عام 1988 ) وكتاب ( كواكب وآلهة وكوارث 1991) وهو من المتحمسين لفرضية هربرت إليغ عن القرون الوسطى المختلقة( وهي فرضية سيتكرر الحديث عنها، بسبب دورها المحوري في أعمال هؤلاء النقاد وتشير إلى أن التاريخ بين 614م و911م هو زمن شبحي، لذا فهم يطلقون تلك 297سنة إسم السنوات الشبحية أو الوهمية ) وكذلك فقد إشترك مع هانس نيمتس في كتاب ( إنهيار نظرية الكربون14)وفيه نقد جوهري لطرق التزمين بواسطة علوم الطبيعيات.وهذا الكتاب من أهم الدراسات النقدية التي تعرضت لمدرسة ليبي مكتشف نظرية الكربون 14، والحائز على جائزة نوبل؟
Eugen Gabowitsch
إيسلندي وألماني من مواليد 1938وحاصل على دكتوراة من ليننغراد، وهو من أتباع المؤرخ الروسي وعالم الرياضيات فومنكو ، وصاحب الجملة الشهيرة : إن أكبر تزوير في تاريخ البشرية، هو تاريخ البشرية نفسه. ويجزم بأن التاريخ الصيني ملفق ( وأن سور الصين العظيم ُبني في العصر الحديث ) وله دراسات مهمة حول سكاليغر (مؤسس التاريخ الحديث والذي عاصر إصلاح التقويم للبابا غريغورالثامن 1582م وأهم ملاحظتي الشخصية، أن سكاليغر كان يجيد العربية، وترك كتابا عربيا إسمه : تاريخ الأمثال ؟؟؟؟)
Gunnar Heinson
Gunnar Heinson
وُلد هاينسون عام 1943، وهو أستاذ في الفلسفة والأقتصاد والإجتماع في برلين، إنضم إلى أنصار فرضية إليغ ( المذكورة أعلاه) وتوصل من خلال دراسته لمسكوكات القرون الوسطى تأكيد ماذهب إليه إليغ حول السنوات الشبحية، وهو يرى بأن السومرين لم يُوجدوا قط ، وأن تاريخ مصر وبلاد الرافدين قد تم تطويله حوالي ألفي سنة، وذلك لدعم التاريخ التوراتي( سفر الخروج) وتأكيد مصداقيته. وبهذا فهو يلتقي مع أطروحات االإنكليزي دافيد رول
H. Illig
H. Illig
مواليد 1947أستاذ للجرمانيات، وهو الأكثر شهرة، بسبب كتابه الذائع الصيت ( القرون الوسطى المبتدعة أو المختلقة : 1998 ) وقد أثاردهشة وفضول الأوساط الأكاديمية فالكتاب استطاع بجهد علمي أن يؤشر على ثغرة زمنية في جدار التقويم الميلادي، بين 614م و911م وحسب رأيه يمكن اعتبار هذه الفترة، زمنا شبحيا خاليا من التاريخ، بما فيها من سلاسل ملوك وبابوات وحروب، وأحداث، وعليه فإن أهم ضحايا هذه الفرضية هو شارلمان نفسه ( وهو مؤسس الأمبراطورية الألمانية المقدسة مطلع القرن التاسع م) إذ يمكن اعتباره شخصية أسطورية فبركها الكتاب الأوتووين ( نسبة إلى سلسلة ملوك بإسم اوتو ) وقد اعتمد الكاتب على دراسات مقارنة لمجمل الأحداث والآثار المنسوبة لتلك الفترة (كرونولوجيا ، مسكوكات ، عمارة كنائس، تقارير فلكية ، بروتوكولات ، أدب ، شعر....)
Christoph Marx
سويسري من بازل ، ومترجم أعمال إيمانويل فيليكوفسكي صاحب النظرية الكوارثية، التي تؤكد حدوث كوارث طبيعية كبرى ، أدت إلى طمس وتشويه الصورة التاريخية ، وأهم أسباب الكوارث نجم عن إنحراف محور الأرض أثناء دورانها حول الشمس بشكل مفاجئ مما يسبب رجة ( وحركة إرتجاعية) وإضطراب مناخي هائل ومدمر ، وهكذا يفسر الأصلاح الغريغورياني للتقويم عام 1582م وبهذا فهو يتناقض مع فرضية إليغ بشكل جوهري
Hans U. Niemitz أستاذ تاريخ التقنية في جامعة لايبزغ، وكما ذكر أعلاه فهو من المشاركين بكتابة إنهيار نظرية الكاربون 14مع كريستيان بلوس وأحد مؤيدي فرضية إليغ، وباحت في مجال التاريخ البيزنطي
Christoph Pfister سويسري من برن، أستاذ في التاريخ الحديث، وهو أكثر ناقدي التاريخ قسوة وضرواة ، ومن دعاة تقصير عمر الحضارات براديكالية، ومن أنصار الكوارثية، ويُكذب كل التواريخ المعتمدة رسميا، ويعتبر أن عمر الحضارة، من مصر القديمة وبلاد الرافدين لحد الآن بالكاد يبلغ ألف سنة!!!ويظن أن الأغريق والرمان والكلت هم من إختلاق عصر النهضة، وأن بانثيون روما ( معبد الآلهة ) بُني في القرن السادس عشر ميلادي، وكذلك يجزم بأن اللغة العبرية، هي لغة تم توليفها( صناعيا) في القرن 16م، وكذلك الأناجيل وكتابات الأنتيكا، وكل التاريخ قبل 1000م هو من إختلاق سكاليغر وبيتو
Uwe Topperألماني ، وهو الأغزر كتابة بين هؤلاء، حاول تعميق نظرية إيلغ من خلال تعرضه للتاريخ الإسلامي ، يرى أيضا أن السنوات الشبحية ( 297سنة) يمكن تعميمها على بداية الإسلام، وعليه فإن زمن الهجرة يصبح يصبح 325م ( 622م ناقصا 297 ) وهذا العام (325م) يطابق التاريخ الرسمي لإنعقاد المؤتمر الكنسي الأول في نيقيا، وعليه تترتب خلاصات بحثية مهمة لبداية الإسلام، لأن المؤتمر كما هو معروف قد عقد لمحاربة الإنشقاق الأرياني في المسيحية، (أي أن الإسلام والأريانية هما حركة واحدة) ( التفاصيل تأتي لاحقا)
Gerard Serrad
فرنسي وهو مع بفيستر الأكثر تطرفا، إذ يعتبر التاريخ قبل البابا غريغور الثامن 1582م، لوحة تجريدية رسمها المؤرخون
Gerard Serrad
فرنسي وهو مع بفيستر الأكثر تطرفا، إذ يعتبر التاريخ قبل البابا غريغور الثامن 1582م، لوحة تجريدية رسمها المؤرخون
.Hans Zillmerيعتقد كما توبر وفومنكو، بأن المدوّنات التاريخية للأنتيكا قد تم إختلاقها قبل ألف سنة وتم إسقاطها على عصور سحيقة ، بواسطة التكرار، ويظن أن الإمبراطورية الرومانية لم تكن موجودة في روما !! فالرومان الحقيقيون هم شعب الإتروسكا، اوهم من أسس مدينة روما، وهم نفسهم (أي الإتروسكا ) الإغريق الذين سيطروا على جنوب إيطاليا وصقلية، أما سبب إختلاق الموروث التاريخي، فيرده تسيلمر إلى كارثة طبيعية حدثت في القرن السادس، ويدعم أيضا فرضية إليغ ، لكنه متأثر بجاك ماهيو صاحب الكتب الثمانية، الذي فر إلى الأرجنتين في أعقاب الحرب الثانية بعد صدور حكم بإعدامه 14مرة ، لإنضمامه إلى سلاح إس إس الألماني.
R. Baldauf أستاذ الفيلولوجيا في جامعة بازل في سويسرا عام 1900م ، من مؤسسي تيار النقد ، إذ يعتقد في كتبه، أن تاريخ الأنتيكا المسيحية والقرون الوسطى من إختلاق عصر النهضة .
A.Fomenko روسي، أستاذ للرياضيات والأحصاء في جامعة موسكو ، قام بتطبيق برامج إحصائية على المصادر التاريخية لعصر الأنتيكا ،والقرون الوسطى ووصل إلى أن تلك المصادر مُختلقة، وتواريخ كثير من الحقب ليس أكثر من (قصائد شعرية ) أو تكرار لمتوازيات من الأحداث والشخصيات والسلالات والحروب المكررة والمتشابهة، ويعتقد فومنكو أن كتاب المجسطي لبطليموس كُتب حوالي 1000ميلادي وهو الزمن التقريبي لظهور المسيح حسب رأيه
E. Velikovskyصاحب النظرية الكوارثية المنوّه عنها، روسي ، توفي عام 1979 ، وعرف بكتابه ( أزمنة في فوضى ) ، يرى على سبيل المثال أن التاريخ المصري القديم( عصر السلالات الوسطى ) قد تم تطويله( مطّه) حوالي 550سنةهذه هي أهم الأسماء المعروفة في تيار نقد التاريخ، وقد إستقيت جل المعلومات عنهم من معارضيهم (نشرة حول نقد النقد التاريخي ). وقبل إنتهاء حفلة التعارف هذه، وجدت من المناسب عرض نموذج بحثي ومعرفة الإشكاليات المطروحة، وأدوات السؤال والتحليل المعرفي، التي ينهجها هؤلاء، ووقع إختياري على نص لأوفه توبر يناقش فيه مجلة ((المناخ ))، التي صدرت في ألمانيا في القرن الخامس عشر، ومازالت تصدر لليوم (وتلفظ بنفس طريقة النطق العربية)، وكانت قبل إختراع المطبعة تستنسخ يدويا ويتداولها العلماء لرصد وتجميع المعلومات الفلكية ودراسة الطقس، وتحديد الأعياد ومواسم الزراعة ، وفي هذه الدراسة يتناول توبر (( المناخ )) أو كتاب (الأنواء لإبن عاصم القرطبي ) وفق منهج جدير بالإنتباه. )
(Almanachالمناخ )
مجلة المناخ عرفها الفضاء الألماني منذ القرن 15م ، وأصدرها بيورباخ Peurbach في فيينا عام 1460م قبيل إنتشار الطباعةوكانت تقدم معلومات عن الطقس والنجوم والعمل والزراعة والملاحة البحرية، وتعتمد نظاما فلكيا سابقا للإسلام، تم بموجبه تقسيم السنة إلى ثمانية وعشرين نجما، يسمى كل منها ( نو: وجمعه أنواء) ويساوي النو الواحد ثلاثة عشر يوما وعادة مايبدأ ببزوغ أحد النجوم، وينتهي بغروب نجم آخر، يقوم بتحديدها رقيب فلكي. وعليه يتم إصدار الأحكام المناخية وإتجاه الرياح وبداية الربيع، ومدة السنة الفلكية .. إلخ وبعد هذه المقدمة المقتضبة يدخل توبرTopper في تفاصيل (مناخ) إبن عاصم القرطبي، أو كتابه الأنواء والأزمنة الذي يعود، إلى 1000ميلادي تقريبا (حققه الإسباني ميغيل فوكودا مينيوز في برشلونة :1993 بإستخدام مخطوط عربي موجود في إستانبول ومؤرخ بعام 497 هجري 1104م، ويشير ناسخه إلى أن المؤلف هو إبن عاصم عبدالله بن حسين الملقب بإبن غربالي.وحسب رأي ميغيل فإن كتاب إبن عاصم، يخدم أغراض عديدة ويقدم أفكارا عن التقاليد الفلكية القديمة (ماقبل إسلامية) وبنفس الوقت، يمكن إستعماله من بسطاء السكان في الأندلس، لمعرفة التوقعات والمعلومات المناخية والتقويمية (الروزنامة) لكن الملاحظ، أن مزجه بين بين المعلومات (الماقبل إسلامية ) واليونانية الكلاسيكية جاء مرتبكا. ثم يقدم توبر نموذجا عن فوائد ( المناخ )كما ترد في حديث إبن عاصم عن أحد الأنواء: فبعد مقدمات طويلة عن أحوال النجوم، ومنازل القمر، وأحوال الطقس يذكر مايلي :
في اليوم الثاني من شهر أكتوبر يمتلئ نهر النيل، ويبدأ بذار الأرض في قادش( إسبانيا )وفي العشرين تبذر الأرض في محيط قرطبة. وفي الحادي عشر يكون البحر هائجا لايصلح للملاحة، وتعود اللقالق والسنونو إلى أعشاشها، ويختبئ النمل. وفي هذا الشهر يُقدّر موسم الزيتون، ويبدأ قطف ثماره. وهنا يعلق توبر قائلا: هذه معلومات لافائدة منها، فالفائدة المرجوّة من المناخ أن تزودنا بمعلومات فلكية، وحتى أيام الأعياد عند إبن عاصم، تبدو شحيحة ومقتضبة، فهو يذكر عيد رأس السنة المصرية ( ويسمى نوروز كما في الفارسية ) ويحدده يوم 20 بدل 29 أغسطس ( خطأ كتابي ) وعيد يحي ( يوحنا المعدان ) ابن زكريا، ويحدده بدقة ( 24 يونيو )، أما أعياد القديسين الكثيرة، التي وردت في ( روزنامة) قرطبة لعريب بن سعيد فلا ذكر لها، إضافة إلى أن كتاب إبن عاصم لم ينوه إلى هذه الروزنامة.ويستمر الكاتب في نصه:لقد قسّم عرب ( ماقبل الإسلام )السنة إلى نصفين ( شتاء وصيف ) كما ورد في القرآن ( سورة 106) أما فلكيو المناخفقسموا تلك إلى الأنصاف أيضا، لنحصل على الربيع والخريف.
وصحيح أن بدايات الفصول ، لم تتطابق تماما مع الإنقلاب ،الشمسي وتساوي الليل مع النهار، لكنها عموما كانت مضبوطة، ويُورد الكاتب ( عن ميغيل )جدولا توضيحيا:
بداية الفصل ــــــــــــــــــــــــــــ مدته حسب الفلكيين العرب ــــــــــــــــــــــــــ مدته حاليا
الربيع : يبدأ ليلة 20مارس ــــــــــــــــــ94 ليلة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ93
ليلةالصيف 22يونيوــــــــــــــــــــــــــــــــ 93 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 93
الخريف 23سبتمبرـــــــــــــــــــــــــــــ 89 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ90
الشتاء 21ديسمبرــــــــــــــــــــــــــــــــ 89ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 89
وعموما تم إختيار 22 من الشهر لتحديد يوم إلتقاء نقاط الكاردينال( تساوي الليل مع النهار في حالة الإنقلاب الربيعي والخريفي) لأغراض التبسيط، وعلى سبيل المثال أعتبر 22 مارس موعد دخول الشمس في برج الجدي، وهذا يصادف يوم خلق العالم ( كما في تقويم قرطبة ) وسُُميّ كذلك موعدا لعيد الفصح، وإعتبر الأول من يناير بداية للسنة الشمسية ؟؟ وهنا يتدخل توبر مستفهما ومستغربا: إن هذا يشي بحساب كاثوليكي؟؟، فالمسيحيون من الأندلسيين المستعربين، كانوا يحتفلون بيوم الخلق تماما كالأرثودوكس ( في 25 مارس )!!ثم يسأل : كيف توصل صانع التقويم (إبن عاصم) إلى هذه المعلومات، وهو يزعم بأنه أخذها عن الأسبقين؟ فالمدهش أن معلوماته تتطابق مع مع حساب التقويم الغريغورياني ( 1582م) الذي يعتبر الأول من يناير بداية السنة، والذي يضيف يوما كبيسا إلى فبراير كل أربعة أعوام ليصبح 29 يوما!! ويحتفل بعيد ميلاد يوحنا في 24 يونيو، كيف يكون ذلك والتاريخ الرسمي يخبرنا أن الأندلسيين (حوالي1000م ) كانوا يستخدمون التقويم الشمسي اليولياني ؟؟
لكن وقبل الإستطراد ليسمح لي القارئ أن أوضح بعض الأمور المهمة حول التقويم، فربما هناك من يسأل، إذا كان المسلمون بحاجة للتقويم الشمسي من حيث المبدأ؟ الأجابة قطعا بالتأكيد، فالسنة الهجرية أقصر من الشمسية بأحد عشر يوما، ولاتنفع في تحديد المناخ ومواسم الزراعة وتهيئة الأرض، وقطف المحاصيل، ومناط إستخدامها يقتصرعلى الطقوس الدينية ( التي لاتسمن كالقمح والتين والزيتون ) الأمر الآخر والجدير بالتوقف، هوإشكالية السنة اليوليانية ( نسبة إلى يوليوس قيصر 38ق.م ) والتي تزيد عن السنة الفلكية مقدار 11دقيقة، وبمضي السنين بين يوليوس قيصر والبابا غريغور ( حوالي 1620سنة) حدث تراكما زمنيا بلغ أكثر من عشرة أيام ( بالضبط 12.7يوم )، وهذا يعني أن بداية الربيع ( تساوي الليل بالنهار أو إلتقاء نقاط الكاردينال ) أصبحت مختلفة عما هي في التقويم اليولياني، مما اضطر البابا غريغور الثامن أن يقفز بالكالندر عشرة أيام كي يطابق بداية الربيع مع 21 مارس ( وهذا يسمى الأصلاح الغريغورياني ). وأعود الآن إلى طرح تساؤلات توبر، الذي أدهشته دقة إبن عاصم، فمن المفترض أنه عاش حوالي 1000م ( والمفروض حينها أن يبلغ الخلل في السنة اليوليانية ستة أيام ) فلابد أن تكون بداية الربيع أيامه تطابق 15 مارس، ( في عصر غريغور أصبحت 11مارس ، والآن فإن 8 مارس هو بداية السنة للشعوب، التي مازالت تستخدم التقويم اليولياني ( كالأمازيغ في شمال أفريقيا )، ولهذا فإن تقويم إبن عاصم الذي إستقاه من مصادر ( ماقبل إسلامية من القرن الثالث م) يصبح عديم الجدوى، ولا معنى له، إلا بعد الإصلاح الغريغورياني؟ وليس ضروريا لنا أن نعرف متى كتب إبن عاصم، المهم أنه لابد وقد إطلع على إصلاح تقويم غريغور؟؟
صحيح أن بروتوكلات اللجنة المحيطة بغريغور، تجعلنا نستنتج أنها أعتمدت جداول فلكية عربية وفارسية وهندية ( جداول أولوغ باي ) لكن تثبيت نقاط الكاردينال ( بداية الربيع ) على 21 مارس ليس له معنى فلكي، لأنه مجرد فكرة نشأت في محيط غريغور، وقرار سياسي محض ، تم تعليله بضرورة إعادة الوضع الفلكي كما كان سائدا أثناء مؤتمر نيقيا الكنسي عام 325م .أما النقطة المهمة في كتاب إبن عاصم، فهي ذكره ليوم مولد يحي بن زكريا ( يوحنا المعدان ) وهو نفس اليوم الذي يتحدث عنه سفر يوشع ( العهد القديم ) وتوقفت فيه الشمس في كبد السماء أثناء إقتحام يشوع لكنعان ( لإطالة النهار ومنحه فرصة للقضاء على أعدائه ) والغريب أن إبن عاصم يذكر 24 يونيو دون مقدمات ، ودون أن يذكر غيره من المناسبات الدينية المسيحية أو الإسلامية أو اليهودية ( وهنا أستبق توبر وأسأل إن كان عيد يوحنا، مهما للمسلمين؟؟ الإجابة نعم، فيحي بن زكريا لايزال مهما في الذاكرة والطقوس الشعبية الإسلامية لاسيما في سوريا والعراق، وهذا يقود إلى ملف شائك وبالغ التعقيد كان قد طرحه الألماني فولكر بوب حول السلالة الأموية، ومركزية قبر يوحنا ( يحي ) في دمشق وأهميته، التي تكرست قبل إزدهار فكرة الكعبة المكية ؟؟) لكن توبر وقبل أن يذهب إلى لب الموضوع، يتمهل عند قصة يشوع ووقوف الشمس، ويحدثنا عن أفكار النظرية الكوارثية لفيليكوفسكي، ثم يصوّر قصة يوشع، وكأنها ذاكرة عن كارثة، سببها إنحراف في محور الأرض، بالنسبة لإحداثيات النجوم وهذا الإنحراف يسمى Ruck ينجم عنه حركة إرتجاعية Präzession للأرض، ولو حصل مثل هذا( الروك) بسرعة وخلال مدة قصيرة بعيد غروب الشمس مثلا، لعادت الشمس إلى الظهور في الأفق، كما لو أنها تشرق من الغرب، هذا ما نعثر عليه في بعض الروايات الصوفية الي تذكر بأن الشمس عادت بعد مغيبها إلى منتصف السماء؟
( ووفق هذه الفرضية المثيرة للجدل، يحاول البعض تفسير الكوراث الكبرى، كإنهيار عصر الأنتيكا، أو ماحدث في القرن 13م كإنتشار الطاعون في أوروبا، وإندلاع هستيريا نهاية العالم، وإكتساح المغول وتدميرهم لحضارة المشرق الإسلامي ..)ومن هذه النقطة ( الإفتراضية) ينطلق الكاتب لشرح أهمية 24 يونيو (قصة يوشع، ويوم يوحنا) فالموضوع حسب رأيه لابد يصلنا بالقرن 16م، حيث كانت قصة يوشع تحرك المشاعر، ففي عام 1612م هاجم الراهب الدومينيكاني لوريني غاليله وإتهمه بالكفر، بسبب نظريته عن دوران الأرض، ثم اقتيد إلى محاكم التفتيش ليواجه (سفر يوشع) الذي يقول إن الله أمر الشمس بالتوقف فوق يوشع:
إذن هي التي تدور حول الأرض، وبالتالي فان موديله الفلكي كفر وهرطقة.وعلى هذا الأساس يعتقد توبر أن قصة يوشع إكتسبت الأهمية في القرن 16م ولابد أنها أثرت على كاتب إبن عاصم ، ودفعته إلى حشو هذا التاريخ متعمدا لإقحام العرب ( الذين كانوا وقتها ممثلين لسلطة علمية ) في نقاش مسيحي داخلي، وإستخدامهم كحجة بوجه خصومهم ( المارقين من أمثال غاليله) ثم يرمي تساؤله التقليدي: لما لايكون كتاب إبن عاصم أحد مزوّرات القرن16م، فالعرب ورغم سقوط غرناطة عام 1492م كانوا يشكلون نسبة عالية من سكان جنوب إسبانيا، ولم يتم طردهم إلا بعد تشريع كنسي عام 1609م و1614م ( إي أن الكاتب يوجه إتهاما مبطنا أو يطرح شكوكا حول ضلوع العرب الموريسكين في النحل والتزوير، وهذا يدفع كاتب السطور للتأكيد على هذه النقطة الحيوية، ويطالب أهل الحل والعقد ، بمراجعة الدور الموريسكي، وأثره في صياغة جزء مهم تاريخنا، فهناك شكوك كبيرة تحوم حول مجمل الصورة التاريخية، ولاتستثني حتى أمهات الكتب: كالمقدمة الذائعة الصيت لإبن خلدون، التي تترك إنطباعا وفضاءا عقليا ، يوحي بأنها هي الأخرى قد تعرضت لعبث أصابع أحد موروسكي الأديرة المسيحية )
لكن الأمر لا يخضع لنظرية المؤامرة بالمطلق، رغم وجود المبررات العقلية لها، فالكاتب الذي ترك شكوكا مفتوحة، سرعان ،ماعاد إلى اللين، ليخبرنا أن إبن عاصم، كان مهتما بمراقبةالنجوم، ويعرف بطليموس دون أن يسميه، كونه يذكر الحركة العكسية للكواكب، ( درجة واحدة لكل مائة عام، وفق الحسابات اليونانية ) ، ثم الحديث عن نجم سهيل ( كانابوس: وهو العلامة المهمة للعرب في تحديد أوقات السنة ) وهكذا نعلم أن إبن عاصم أشار إلى صعوبة رؤية نجم سهيل من ملقا ( جنوب إسبانيا )لأنه يقع بعيدا في الجنوب، ثم يستأنس الكاتب بقصة من كتاب إبن الأموي القرطبي الذي يروي أن إماما رأى نجم سهيل من مدينة فوينخيرولا ( قرب من ملقا ) مما إضطر الحكم الثاني إلى إرسال أحد فلكيي قرطبة للتأكد من ذلك
ويختم الكاتب نصه، بجدل لساني حول لفظ ( المناخ )فيقول: إن إشتقاق الكلمة غير معروف، ومن المحتمل أن يكون عربيا ، لكن العرب يسمون أحوال الطقس نو: وجمعها أنواء ، أما معجم الأكاديمية الملكية الإسبانية :فيرى أن الكلمة الإسبانية Almanaque تعود إلى كلمة مناخ العربية، والتي تعود إلى جذر لاتينيManachus يعني ( دورة شهرية) لكنه يستدرك ثانية ويعود إلى الفعل العربي ( ناخ:الجمل ، أو مكان إستراحة، يشترط طقسا مناسبا وصحيا، وبالتالي فإن الكلمة تحول مجازي من مناخ الإبل إلى أحوال الطقس )، وينتهي بجملة تقول: الحقيقة أن الكلمة دخلت اللاتينية في القرون الوسطى.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق