أُقَلـّبُ الإسكندرية على أجنابها



بندق مهدي: شعر

الكوابيسُ تعرفني

وتزاملني من قِماطِ الرضاع

ِإلي سنوات الترمُّل ِ والثُكْل ِ

حين أهُبُّ لجُرعة ِ ماءٍ أرى توأمي آتياً

بالسلاسل ِ ( ميراثنا ) مُطلِقا ً في دمائيَ ُرخَّ الجليدِ

الذي ُيمطر الدبْـقََ ،يُلصقُ أسماكي َالأرجوانيةَ َ المستجيرة

َبالموج ِ ،
والموجُ يعدو إلي أرخبيل ِ الفرار


**

الكوابيسُ تعرفني

وُتعرّفني في النسيءِ بجَرذِ الفصول ِ ، يَدُقُّ

دفوفَ الإهانةِ سبعا ً ، أري حبة َ الرمل ِ ُ تضْرَب

سبعا ً علي إليَتيها ، أرى في مرايا السكوت

ِجبيني : خزا ئنَ موتـَى قـُدَامى ، وذقني :
فطيرة َ حزن ٍٍ كثيف

ٍفيلعَقـُُها الجَرََذ

ُوالشمسُ تدلـُُق ثعبانها

في شقوقِ الحشا , والنجومُ ذباب


**
أنا هذي المدينة ُ في زجاجة

رسالتها التي لا ُتقرأُ .. ، انبقعتْ

بلحمِ غلافها الأختامُ ، ترحلُ في سفينة بعلها الأعمى

الذي رفعت له الدهماءُ عرشَ الغيم يمتد ُ

له الديجورُ حاشيةٌ ٌ ، ومن شعرائه الإرغاءُ والزَبدُ

و إني بينهم ُحمّـلتُ أطنانَ الخرائط ِ ، لكنْ

لا أدِلُّ التائهين إلى ديارهمو

حذار الغدرَ منقوشا ً علي سبابتي اليمني

ولا أحدا ً يخلـّّصُـني من التخليط

بين براءة الأشياء في قلبي ، وبين ضراوة الأعضاءِ

أسرابا ً ُتحلق في فضاء الغيِّ لا يصطادها رَشَدُ


**

غَرَرْتْ بي هذه الإسكندرية ُ في الصبا

أوعزتْ أنْ سوف تأتي بالأحبة

ثم ولت

مثل وجهٍ ذاب في فنجان قهوته الصباحية

أتلف التذكارَ صحوٌ فاترٌ

منه فترجل

عن جواد الحلم يدعو مبغضيه إلي الفطور


**


حاولت ُ مرارا ً وتكرارا ً

أن أحذف الإسكندرية من ذاكرتي

كما يحذف الشاعر الصَنـَاع ُ قصائده جميعا

تطبيقا لمبادئ اقتصاد اللغة

حاولت ً ، حاولت ُ

فكانت تنشط في دمي كالأميبا

وتنشطر إلى دولتين ..

والدولتان نسختان من قطاط الليل يا زناة

تتبادلان النفط والمواء

والمواء والكبريت

وترفعان في وجوه الرهط مرة

ً صوارمَ القهر ِ

ومرة ً بيارقَ الإذعان

وحينما تدعوهما لحضنها " سياتل "

أو تستحث الخطو منهما " ديربان "

تتبادلان الصمغ َ في الآذان


**

ترتدي الإسكندرية ُ

في عيد العلم وشاح َ " هيباشيا " الجميلة

وفي اليوم التالي

تعرضه في هيئة مِزَق ٍ وخروق

وهي تقسـّم اللحمَ والعظمَ علي أوضام القصابين الورعين

وتكررُ وتكررُ وتكررُ


**
أرضعتني َبْولها
ومشت بي في الحواري طفلة ذات قضيب

أسحب النسوان ، ُألقي بالجماجم

ِ تحت أضلاع الشتاء النخرة

كلما صحتُ استدارت

ورمتني باللهيب


**
في غرفة الإعدام

استطاعت جدتي الفاجرة ُ هذه

ان تـَبُخَ الرعب في قلوب المُنَفـّذين

حين قالت : نظرية تشومسكي خاطئةٌ ٌ يا سادة

ودليلي أنني قتلتُ هؤلاء المومسات

وكذلك الرب الحكيم فعل


**
للسنانير

وللجمال

والحمير أنديةٌ وجماعات

تَكلـّمتْ .. فضج بالسُخام وجه ُ هذه المدينة العليلة

فآن للقصيد أن يمد ساقه الخجولة

من قبل أن يغادر

إلى منافى التيه والشتات

ُكسِرَتْ زجاجة بندورا

فاندفعت الضفادع ُ معلَقة ً علي شظايا رأس التين

تتقافز إلى متحف الفنون الجميلة

حيث يَذبحُ تنتالوسُ أطفالَ الشوارع

لا الماءُ يغيض ولا الأغصانُ ترتفع

ُ ثمة يفتح النقاد ُ معلبات ما بعد الحداثة ِ ، ويتجرعون

حيث الكواعبُ يصرن حيزبونات قبل أن

يرتد إليك طرفـُُكَ

وحيث ُ..
ُ تسْمَل ُ عيونُ طروادة .. في تراتيل السَحَرْ

وتتآكل أنوفُ قرطاجةَ في الظهيرة

وُتدفن بغداد ُ في القبر الممتد من المحيط إلى الخليج

حيث ُ
الحليبُ مصلوبٌ علي أسوار الرياح

والأشجار محشورة ٌ بين أسنان أبي حامد ٍ ولثاه


**
من خلف سياج الليل المُعْوّج

تنقذفُ وتتكورُ في عيني كف ٌ لا أعرف صاحبها

شبحٌ مستورٌ عريانٌ أعرج

يمشي للخلف ، وغايتـُُه

تأبيد ُ الخوف علي أنفاس ٍ تتحشرج

يمضي في مسح الأمخاخ استدراجاً

للألباب ِ إلى فخ ٍ متبوع ٍ بفخاخ ِ الذات ِ، وما من

أحدٍ لا يُستدرج ... ... ...

قيل : فمن هذا الممسكُ بتلابيبِ الكونِ الـُمْرتَجْ

قلت : هو الشعرُ الضدىُّ الأهوج

أطفأ أنجمَهُ

وأتي بذبال ِ الإلغاءِ وأسرج

ثم استأجر قافلة ً في صحراء اللغة اللخناء

أمطرها بعناجيجََ تحمحمُ

لكنْ

ليست ُتلجم للركبان الفرحين

أو للباكين علي طلل ٍ ُتسرج
**
قالت الإسكندرية ُ

نحن في الكهف لبثنا ألف عام

وأفقنا – لحظة ً - في حُلمنا

ثم عدنا للمنام

فلماذا ..قلـّب الأجنابَ منا يا ُتري هذا الغلام ؟!

هناك تعليق واحد:

  1. صديقي الشاعر الكبير مهدي بندق: حاولت عبثا أن أقلّب الإسكندرية على على أجنابها، فلم أستطع إلا أن أقلب مصر على أوجاعها

    ردحذف