(غونتر لولينغ) واكتشاف محمد


أود الإشارة إلى أن هذا النص يستند على مسّودة لمحاضرة، قدمها باحث الإسلاميات الألماني غونتر لولينغ Günter Lüling في سبتمبر 1985، أثناء مشاركته في ندوة دراسية، أقامتها جامعة كامبرج، وهذه المحاضرة بدورها تلخيص لأهم أفكاره التي سبق له وأن نشرها في كتابين أولاهما (حول القرأن القديم Über den Ur Quran1974) وثانيهما:(إكتشاف النبي محمد ثانية Die wieder Entdeckung des Propheten Mohammed 1981 ) الذين أثارا بعيد صدورهما سخط ورفض واستنكار الأوساط الأكاديمية، ومعاهد دراسة الإسلاميات في أوروبا ، ثم تحوّلا مع مرور الزمن إلى مرجعيّن كلاسيكيين، يُشار لهما بالبنان، خصوصاً من باحثي الإسلاميات في ألمانيا وفرنسا وبريطانيا. ورغم مايؤخذ على الكاتب من شطحات، لكنه امتلك نظرة ثاقبة وإحساساً مرهفاً، مكنّاه من التوغل وبلوغ المناطق المعتمة في ديانات التوحيد واستطلاع لحظات نشوئها. وهذا مثل للبعض، عصيانا وخروجا على الأنماط الأكاديمية والمدرسانية السائدة، مع أنه والحق يقال لم يبتعد قيد أنملة، عن ميدان المدرسة الفيلولوجية الألمانية، وقواعدها الصارمة. وبرأيي المتواضع، فإن إشراقات الرجل، ولمحاته الكتابية تنبع أيضاً من حبه لتراث المشرق العربي وولعه بنسيجه الحضاري، ومن المؤكد أن ولادته في سوريا عام 1928 وسط عائلة تبشيرية، ثم عمله في معهد غوته في حلب، قد منحه فرصة ثمينة للتعرف على مكنونات الشرق وتقاليده ( إضافة للحمص والفلافل ) ومن جهة أخرى شكّل أرضيّة لكراهيته ومقته حضارة الفرد الإستهلاكي.لقد سعيت إلى تقديم الرجل كما هو، أملا في كسر حلقة الشيطان المقفلة، وفتح آفاق جديدة للرؤية.


وآثرت (ما أمكن) أن أقتبس منه أفكارا كاملة، وفق لغته المسهبة، مع إلتفاف مقصود على بعض التعبيرات الحادة، والغريبة عن مناهجنا ولغتنا (المدلسة والمداهنة). وأشير أيضاً إلى أني فتحت أقواساً عديدة، تضمّ بين دفتيّها، مشاركة جديّة، لإشباع النص بوفر من التساؤلات والإيضاحات، والإعتراضات؟ آملا أن لا يرفع أحدَ السيف، ويطالب بتوّبة نصوحة، فالقضية لايمكن إختزالها بإنكار معلوم من الأديان ؟؟ المسألة أكبر من ذلك بكثير؟؟ فتاريخ أديان التوحيد برأي الكاتب أشبه بألغاز!! تختفي وراء بدايات معتمة ومجهولة، وتقبع خلف جدران من الأسطرة، شيدتها الدوغمات الثلاثة، مما سبب إغلاقا لمنافذ الرؤية !!

من هنا فإن نظرية لوليغ تقوم أساساً على تلمس تلك الفجوة في الموروث الكتابي والتي يبلغ متوسطها 200سنة، وهي مقدارالزمن الفاصل بين وفاة مؤسس العقيدة، وبين نشوء النصوص المقدسة القانونيةCanon )ينطلق لولينغ، من أن اليهومسيحية كانت الأساس لنشوء الإسلام، فخلال القرون المبكرة للمسيحية، حدث إنشقاق مهم، أنتج تيارين رئيسيين، أولاهما تيّار إرتبط بالهلينية الرومانية، وقاده بولس الرسول وأثمر عن ولادة الكنيسة المسيحية، التي انقسمت فيما بعد إلى كنائس متعددة، أما التيار الثاني فقد أنتج يهومسيحية كان من أهم ممثليها الطائفة الأبيونية، التي تؤمن بإله واحد، منزّه من الأقانيم الثلاثة، وترفض عقيدة الألوهية ليسوع، وتنظر إليه كأحد الملائكة الكبار الذين إختارهم الملأ الأعلى، وألبسهم الجسد المسيحي لإيصال رسالة الخلاص. ومن أهم ميّزات العقيدة الأبيونية إلتزامها بشعيرة الختان اليهودي، إلى جانب المعمودية، وكذلك التزامها بتقديس يوم السبت ( اليهودي) وبنفس الوقت إدانتها لطقوس تقريب القرابين ( التي تأمر بها الشريعة اليهودية) ورفضها لقانون موسى، والنبوّة ( أود الإشارة إلى أن فكرة النبوّة آنذاك لم تكن تحظى بتقديس، فالنبي كان أشبه بعرّاف قبيلة، لذا نجد التوراة تسرد حكايا عن آلاف الأنبياء، وأحيانا تذكرنا بحروب بين أنبياء البعليم الوثني وأنبياء إسرائيل، لهذا حملت العقيدة المسيحية مشاعر إزدراء واضحة للنبّوة، وفضّلت صيغة المسيح ملك يهوذا والسامرة، ولاننسى أن ملك وملاك نشأتا من جذر لغوي واحد؟؟فقط أردت تعميق هذه الفكرة لنصل مع لولينغ إلى فهم فكرته القادمة عن النبوّة الملائكية أو النبي الملاك، وعلاقتها بالإسلام)

وكذلك رفض الأبيونيون الشرائع الباولوسية ( بولس )، وفضّلوا عليها حياة الزهد والتقشف، والمواظبة على طقوس الغسل والصلاة بإتجاه القدس، بعكس الكنائس اليونانية التي إتخذت شروق الشمس اتجاها لقبلتها( والناجمة حسب تقديري عن تأثرهم بعبادات رع المصرية ). لهذا يستنتج لوليغ أن الإسلام المبكر، يحتوي على تأثيرات أبيونية، يمكن تلمسها في أيامنا الحاضرة، خصوصا عند الشيعة والإسماعيلية ، كما ويمكن إثباتها من خلال قصص الموروث المتواترة ( ختان النبي وهو في يومه السابع على يد جده عبدالمطلب، ظاهرة الأحناف وورقة بن نوفل، وظاهرة الشعر الجاهلي الذي استبطن النص القرآني دلاليا ولفظيا كما في أشعار ابن الصلت وعمرو ابن نفيل وزهير وغيرهم، وكذلك الحال استيعاب الشعر الجاهلي مشروع لسان قريش، علما أن معظم الشعراء ليسوا من هذه القبيلة!!

وكذلك دلالات اسم والد الرسول عبدالله، وعدد لاحصر من الإشارات التي تدل على وجود تراث يهومسيحي غزير) لكن الأمر الذي، أفزع الأوساط البحثية، تلخص في نظرية لوليغ حول تاريخ الكعبة، واعتبارها كنيسة عربية صغيرة، وكذلك إعتباره اللات والعزى ومناة ، مريمات عربيات، وهبل ( هابيل : صورة ميثولوجية لإله الرعي)


وقد اعتمد لوليغ في تفسيره هذا إلى الموروث العربي نفسه ( تاريخ مكة للأزرقي وغيره ) الذي تحدث عن مراحل عدة لبناء الكعبة، في عهد الزبير وعبدالملك بين مروان، ثم إشارته الذكية إلى الحُجر ( وهو عبارة عن قوس ضئيل الإرتفاع أمام الجدار الشامي، بداخله قبر إسماعيل وأمه هاجر) حيث تؤكد المدوّنات العربية أن بناء الحُجر كان مرتفعا، ومتصلا بداخل الكعبة!! إذ يمكن تصوّره كمذبح للكنيسة المفترضة، ناهيك عن أن الموروث، تحدث عن وجود ستة أعمدة متوازية داخل الكعبة، أتاحت لمصليّ تلك الأيام، أن يوّلوا وجههم صوب المذبح أوالقدس أو الحُجر( حاليا يوجد ثلاثة أعمدة)!!

(وفي مقدمة ابن خلدون ص389طبعة دار الجيل هنالك مايؤكد أن الحجاج بن يوسف هدم ستة أذرع وشبر مكان الحُجر، وسدّ الباب الغربي!! وأيضاً لم ينس لولينغ رواية الأزرقي، التي تحدثت عن اللحظة التاريخية لفتح مكة، وذكره قصة صور مريم وعيسى داخل الكعبة، والتي مّسحت لاحقا بإوامر من النبي..وبرغم ما أثارته هذه النظرية، من لغط ، أجزم أن الأمر لايتعدى حدود الإثارة والفضول المعرفي، ولا أظن أن المسيحية، والرئيس المؤمن جورج بوش سيكترث للأمر، لعلمه اليقين أن البترول هو الطريق الوحيدة المؤدية للجنة)


أما الأمر الأكثر حساسية، هو دخول السيد لولينغ في واحدة من المحرمات الإسلامية، أقصد بحثه الطويل والمركب في قراءة النص القرآني، وملاحظته للسور القصيرة ( المقفاة شعرياً ) وإعتباره إياها تراتيل وأغاني مسيحية عربية، جُمعت وكوّنت نواة القرآن القديم، بعد إضافات منحتها محتوى ودلالة جديدة، وبرأيه فإن هذا النص دُوّن بداية الأمر بلغة غير منقطة وبدون حركات صوتية، وظل على حاله فترة تصل إلى 150سنة، ثم تعرض بعدها إلى تغيير دوغمائي، استمر حتى نضوج وترسخ مؤسسة الدوغما ونشوء وإكتمال السير النبوية، وبداية ظهور التفاسير في القرن العاشر والحادي عشر ميلادي؟؟لكن كل هذا الكلام لايمس جوهر الموضوع الحقيقي !!

فنشأة وصيرورة النص القرآني تاريخيا، هي من مسلمات البحث الفليلولوجي المعاصر..فما سعى إليه لولينغ، هو فتح ملف مجهول، من تاريخ الدعوة المحمدية: ملف يعتبره الكاتب، جوهر الرسالة، التي عبرت عن نفسها من خلال ذوبان أتباع النبي مع الأبيونيين التوحيدين( الأحناف ) المعادين للصور والنحوت، التي جلبتها مسيحية اليونان ذات الأقانيم الثلاثة، والطقوس الغريبة، أي أن الصدام لم يكن مع قريش الوثنية، بل مع قريش المسيحية التثليثية، وهذا ما أخفاه موروث الخلفاء، وطمسه وغيّبه عبر سياسة تعتيم شمولية، ومسح للذاكرة الجمعية ..إن مشروع محمد لم يكن يقصد إخراج العرب من الوثنية إلى التوحيد الذي مثلته المسيحية واليهودية( أهل الكتاب ) بل كان يقصد الخروج والعصيان على ذلك التوحيد ( المسخ ) والعودة إلى دين إبراهيم وإسماعيل ويعقوب وموسى وعيسى، ( وهنا بيت القصيد ) بمعنى العودة إلى الأصول البدئية الطبيعيةPagan لتراث العرب وديانات الخصوبة الطبيعية التي مثلتها اليهودية والمسيحية المبكرة( والتي تجلّت بصورة داوود وسليمان !! و فكرة الفداء المسيحي، بإعتبارها فداء للقبيلة والعصبة وعلاقات الرحم، ناهيك عن الجذور المثولوجية لقصة المسيح، والتي تعود هي الأخرى لديانات وطقوس مرتفعات الخصوبة الكنعانية، التي مجدت البطولة، وتقاليد القبور وإحياء الموتى، لهذا أعاد الإسلام هذه الفكرة من خلال، عقيدة النشر، وحشر الإجساد في العام الآخر) وهكذا يلخص لولينغ أفكاره في إكتشاف النبي كما يلي : إن عودة النبي محمد إلى الجذر الإبراهيمي هو عصيان وتمرد أمام مسيحية روم هيلينية ذات مشروع كوني ( باولوسي ) يرمي إلى تشييد امبراطوية بروليتارية لأفراد مقطوعي الجذور!!( أي أنها عودة إلى إبراهيم الذي يخاطب الله بدون تكلف، فيحدد له تخوم أرضه ونسله وصلبه. وهذا برأيي من أحد أهم اللمحات الفكرية للولينغ)

أما النقطة الجديرة بالإنتباه، فهي رفض غونتر لولينغ لفكرة الفتوحات الإسلامية السريعة، فمن اللامنطق قبول وتصديق الرواية، التي تتحدث عن مجموعات قليلة من التجار ومربي الماشية، وكيف اجتاحوا بلاد فارس ووصلوا إلى تونس خلال ثلانين سنة، وفي غضون خمسين عاما إلى جبال البيرينيه، وهددوا القسطنطينية، كيف يستوي ذلك مع أخبار نزاعات العرب فيما بينهم وتذابحهم على خلافة الرسول وإشتعال فتنة عثمان وحروب عائشة وعليّ ومعاوية، إن هذه النزعات وحدها كانت كفيلة بإحباط أي مشروع امبراطوري كبير..إذاً لابد لنا من قبول مبدأ التمدد السلمي للعرب ، فالإيمان فقط بعقيدة ما لايحقق إنتصارات وفتوحات، لابد أن اللغة الكتابية العربية قد إزدهرت في وقت ما وسبقت الجيوش ؟؟ ( ببساطة شديدة يمكننا الحديث بهذا المعنى عن فتوحات لغوية كتابية عربية، سحقت لغات وثقافات دبّت بها الشيخوخة، وعن لغة تحوّلت إلى العالمية Lingau Franca واحتلت وحلّت مكان لغة الساسانيين واليهود وبيزنطيي شمال أفريقيا، وعن لغة استطاعت أن تجعل من أبناء الثقافة الفارسية العريقة، أهم معلميها ومبدعيها ونحّاتيها؟ هنا برأيي نجد اللغز الأكبر في نشأة الإسلام!! )والآن أعود بعجالة لتلخيص لأهم ماورد في محاضرة لوينغ:يشير الكاتب إلى البحوث اللسانية التي قام بها كارل فولر ولاندبرغ في القرن 19 ودراستهم للهجات العربية، واصرارهم المحق، على عدم وجود عربية فصحى محكية، في الزمن المبكر للإسلام ( عكس ما تزعمه مؤسسة الدوغما)، بداية منهجية، وكذلك يشير إلى سعيهم لإثبات وجود نسخة شعبية للنص القرآني، يُعتقد أنها هُضمت وذابت في اللغة الفصحى. لكنه ينتقد ضمنياً تلك المحاولات، الغير كافية، التي لن تؤدي إلى تحطيم وتهشيم الموديل Paradigmaالدوغمائي المهيّمن ، لذا يقترح تعميق محاولات العالم البروتستانتي البرت شفايتسر وفيرنر واعتماد طريقتهما المثلى في البحوث المسيحية وقدرتهما على تفكيك وتهشيم الموديل المسيحي ، وتعميق دراسات العصور السابقة للدولة، وتمثل قيّم القبيلة ومفاهيم العصبة الدموية ( صلات الرحم ) والثأر وإقراء الضيّف، وتعميقها بمزيد من دراسات الإنتربولوجيا الإجتماعية، وإعتماد تطبيقات أولبرايت W.F Albight على العهد القديم ..ثم ينتقل بعدها إلى واحدة ( من شطحاته التي لم أستطع هضمها؟) والتي منح بموجبها محمد، صفة النبوة الملائكية( نبي ملاك)، وهي صفة تم طمسها فيما بعد!! واستبدالها بحشو قصصي عن الملاك جبريل، ويعتقد لولينغ أن محمد فهم نفسه كملاك يمثل إرادة الملأ الأعلى، دون أن يصرح بذلك وهكذا فهمه أتباعه، تماما كما فعل يسوع الذي فهم نفسه بأنه المسيح المخلص دون أن يصرّح بذلك؟ لذا يخلص لولينغ إلى أن محمد لم يكن بحاجة لجبريل، ويشير إلى أن الآيتين المتعلقة بجبريل 2,97 و66,4 هما من فعل التدوين المابعد نبوي، ويعلل ذلك بسبب إستحالة النبوّة في ذلك المناخ العقلي الثقافي الذي كان مفعما بروح النبوة الملائكية ؟؟؟(وبرغم تعارض هذه الصورة مع ثقافتنا الرائجة، إلا أني أعتقد أن ملامح جبريل تبدو مشوهة في الموروث الإسلامي، بسبب إشكالية التنزيل التي حدثت بصورة شخصانية مباشرة ، وأحيانا بواسطة الإلهام ؟ إضافة إلى تمظهرات جبريل الغريبة كأخ لمحمد، وأحياناً كدحيّة الكلبي أو دوره كسائس يمتطي البراق في قصة الإسراء والمعراج؟ )أما النقطة المهمة في محاضرته ، فقد تضمنت ردا مسهبا على رأي المستشرق المعروف فيلهاوزن، الذي إعتبر نظام العصبة الدموية( القبيلة) العربية، أشبه بوجود وإدراك عمومي بدون سلطة، وهذا يندرج في إطار التوحش، الغير قادر على الإنتاج والفاعلية ؟؟ ويجد لولينغ أن فيلهاوزن لم يدرك تماما حضارات الخصوبة، لأنه كان مأخوذا بنموذج الدولة الراقية وأسيرا لفكرة الإنتاج والنمو الإقتصادي( وفي مكان آخر يعبر لوليغ عن إعجابه بقانون العقوبات البدوي، ونظام دفع ديّة القتيل، والمصالحة العشائرية، بينما ينظر إلى قوانين الجزاء الحديثة ، كأنها سلسلة من الذنب والعقوبة!!)


إستراحة تاريخية؟

والآن وبعد أن عرفنا بعض آراء لوليغ، أود أن أتجاوز الكثير من أطروحاته، إختصارا لمساحة هذه المقالة ، وأتوقف عند إكتشافه ( المتأخر ) للهولندي راينهارد دوزي R. Dozyالذي أصدر عام 1864 كتابا بعنوان: الإسرائيليون في مكة وفيه يذكر أن إسم مكة، ولغاية القرن الثالث ميلادي، كان يرد في الوثائق القديمة: ماكورابا Macoraba وهو نفس الإسم الذي ورد ذكره مرارا في الأسفار التوراتية : مكا رابا وتعني بالكنعانية : ساحة الصراع أو أرض المعركة، ومن المهم ذكر الحادثة التي ترويها التوراة عن رحيل سبط شمعون، أيام الملك شاوول وداوود، وإقامتهم في أرض الحجاز، ( أحد الإسباط الإثني عشر) كل هذه الإشارات دعت دوزي إلى الإعتقاد أن قصة إسماعيل وهاجر التوراتية هي حشو تاريخي أحدثه مدوّنو التوراة متأخراً لتبرير رحيل آل شمعون، كخروج من المأزق وتخفيف من مشاعر الذل والعار التي لحقتهم، وبهذا فإن نظرية دوزي تقوم على وجود خلط بين شمعيل وشمعون ( تعمدت كتابة اسم إسماعيل : شمعيل لإظهار الفرق الضئيل مع اسم شمعون )ثم ينتقل دوزي بدراسته إلى إلهين وثنيين، عرفا باسميّ: إساف ونائلة، وهما إلهان انتصبا على مرتفعي الصفا والمروى ( بالقرب من مكة ) ويذكرهما الموروث الإسلامي بكثير من الأسطرة، لكن دوزي يكتشف مفتاحا لغوّيا يؤكد أن إساف بالعبرانية هي آسوف ( مكان لرمي فضلات الذبائح والأحشاء ) ونائلة هي نوالي وتعني( مزبلة ) وبهذ فإن الصفا والمرّوى كانا أماكن لرمي النفايات الناتجة عن القرابين التي كانت تنحر أمام الكعبة المقدسة.. وبعد موت دوزي، توقفت إهتمامات باحثي التوراة، باستثناء محاولة فينكلر و هوميل التي تابعت أخبار العصر التوراتي للملك حزقيا( 715و696 ق.م ) وأثبتت أن كثير من النصوص التوراتية التي ذكرت مصر كانت تعني المنطقة جنوب خليج العقبة (شمال غرب شبه الجزيرة العربية)، حيث أثبت القوش والكتابات المسمارية التي عُثر عليها أن تلك المنطقة ( حتى القرن السابع ) كانت تدعى مُصُر أو مِصر وهو المكان الذي تسميه التوراة مصراييم، وعين المكان الذي أقامت به قبائل الشماعيلية أو الشمعونية!! ( وهذا الأمر سيفرح عشاق نظرية كمال الصليبيي، وأحمد داوود) ثم ننتقل إلى واحدة من الأمور التي حيّرت باحثي التوراة، وهي قصة سبط اللاويين ( الذين تفرغوا للكهانة ومنهم موسى وهارون ) والذين فقد أثرهم، من خارطة توزيع القبائل الإسرائيلية، إذ لاوجود حقيقي لهم على أرض التوراة( من المعروف أن سبطي يهوذا وبنيامين سكنا الجنوب، والباقي في الشمال ) لكننا نعود ونسمع قصة اللاويين مجددا من جيل ما بعد السبيّ البابلي، الذي تركنا نعرف أن اللاويين اختفوا ولم يعودا إلى أرض الميعاد!! وبنفس الوقت يخبرنا المدوّن التوراتي أن نبوخذ نصر قام بترحيل ثمانين ألفاً من فتيان اليهود إلى الحجاز؟؟أ


خيراً، وبعد كل هذه الروايات والقصص الميثولوجية التي تصب في إتجاه واحد، أجد شخصيا أن أرض الحجاز كانت أحد المراكز الروحية الكبرى في تاريخ القصة اليهودية الإبراهيمية، فالكعبة لم تكن مركزاً لعبادات( الجاهلية ) الوثنية المبتذلة، كما يخبرنا الموروث الإسلامي بإطناب، وإسهاب قصصي أسطوري، وإلا فكيف يفسرون تحوّلها إلى مركز للحج الإسلامي فيما بعد، وكيف يفسرون تأكيد النص القرآني على جعل الصفا والمروى ( حيث يقف صنما إساف ونائلة !!) ضمن شعائر الحج ؟؟


ملاحظة: من يود معرفة المزيد حول هذا الموضوع ما عليه إلا إنتظار كتابي الذي سيصدر بعد قطاف المشمش

*****************
إعادة إكتشاف النبي محمد

إعداد وترجمة: نادر قريط

مقدمة

كتاب غونتر لولينغ: (إعادة إكتشاف النبي محمد : 1981 [1]، من المراجع الكلاسيكية في بحوث نقد تاريخ الأديان) وقد ذاعت شهرته بسبب تناوله لتاريخ بناء الكعبة المكّية ( في عهد الزبير، ومروان إبن الحكم خصوصا) كما إستقاها من الموروث العربي، إذ يعتقد أن الكعبة كانت كنيسة مريمية ( تضم في بنائها الحُجُر الحالي، كمذبح لتلك الكنيسة، وكذلك فإن وجود ستة أعمدة بداخلها [ الآن ثلاثة] كان يدفع المصلين أن يولوا وجوههم شطرهذا المذبح وبالتالي نحو بيت المقدس، إضافة إلى إشارات الأزرقي في تاريخ مكة، عن وجود رموز مسيحية داخل البناء ، تم إزالتها في أعقاب الفتح، ويرفض لولينغ فكرة كون الكعبة بانثيون عربي لآلهة وثنية كاللات والعزة ومناة، ويعتبرهن مريمات عربيات ويظن أن هبل هو صورة لهابيل أو رمز لإله الرعي) كل هذا دفعه إلى تبني فكرة الماضي المسيحي لشبه الجزيرة العربية، والإسلام المبكر.في الفصل الأخير للكتاب يجد المرء خلاصات مهمة لفكر هذا الباحث المثير للجدل، وقد سبق لكاتب السطور أن عرض عنه مقالة بعنوان : غونتر لولينغ وإكتشاف محمد [2] وإشارات إلى لمحاته الكتابية ، التي تنبع أيضاً من حبه لتراث المشرق العربي وولعه بنسيجه الحضاري، ومن المؤكد أن ولادته في سوريا عام 1928 وسط عائلة تبشيرية، وعمله في معهد غوته في حلب، قد منحه فرصة ثمينة للتعرف على مكنونات الشرق وتقاليده، ويمكن القول أن دراسات لولينغ، لم تجد آذان صاغية بادئ ذي بدء ( داخل المدرسة الإستشراقية الفيلولوجية الألمانية)، إلا بعد إشتداد عاصفة النقد ؟ والآن قلما يقرأ المرء بحثا في حقل الإسلاميات إلا ويتعثر به، أما في عالمنا العرب إسلامي فلا أظن أنه أعير إهتماما يستحقه (ربما لندرة الترجمة من لغة غوته) أو لقناعة بمبدأ ( الباب الذي يُدخل الريح سدو واستريح ) وأعترف أن هذا النص جزء من ترجمة إنتظرت طويلا بين أوراق مبعثرة، علاها غبار النسيان، تعمدت نقلها للعربية ( بدون تصرف قدر المستطاع) لإبراز طريقة الكاتب، المباشرة والحادة وتكراره الدائم وإلحاحه على فكرته، لقطع دابر أي تأويل وتقويل أو إلتباس.
مقارنة في صيرورة المسيحية والإسلام


ميّزت عمليات توطيد كلا الديانتين المسيحية والإسلامية، أعراضا متماثلة، تشير إلى تحريف دوغمائي للأحداث التاريخية، وتتشابه الديانتان بوجود فجوة في الموروث، تبلغ 150 سنة ، إبتداءا من وفاة مؤسس الدين، حتى تشكّل تاريخ ذلك المؤسس، وفق مواصفات قانونية ( متواترة ) دوغمائية، فالتعاقب ( التواتر) يُلحظ في العهد الجديد نهاية القرن الثاني ميلادي، وأولى السير النبوية ( المتواترة ) لفترة التأسيس الإسلامي، تعود إلى القرن الثامن ميلادي ( الثاني هجري )، وهكذا مضت مابين مائة وخمسون أو مائتين وخمسون سنة، وفي نهايتها وبشكل مفاجئ تم التدوين الكتابي للمفاهيم الدوغمائية الخاصة بسيرة وأفكار مؤسس ذلك الدين ، بشكل لا إلتباس فيه، وقد حدث ذلك لدحض تقاليد أصيلة منافسة يتبناها آخرون.وهذه الأعراض المتوازية للموروث التاريخي تعبر عن مبدأ، ألا وهو الإنحراف عن الإتجاهات والمقاصد الرئيسية التي أرادها مؤسس ذلك الدين.
إن عمليات الإنحراف في المسيحية والإسلام لم تكن متوازية من حيث المحتوى والذهنية التاريخية، فالتحريف المسيحي السابق أحدث تأثيرا محتوويا مباشرا على اللاحق، وهكذا فإن التحريف المسيحي المبكر كان ناجعا وسياسلطويا [3] أما نظيره في إسلام النشوء، فكان تحريفا يحرض إلى موقف دفاعي، لذا فإن الهجومية السياسلطوية الناجعة للمسيحية الغربية الإمبرالية الهيلنستية، أثمرت عن تحوّل دفاعي إنعزالي في الشرق الإسلامي. لقد كانت هذه الهجومية ، ثقافية وعقلية بما تختزنه من تراث مسيحي إمبراطوري روماني هيلنستي مترسخ، وفي صور غير مرئية للثراء التاريخي في الآداب اللاهوتية الفلسفية وتفوقا كميا يؤهل مصالح القوة السياسية، لخلق اليقين.
كل ذلك مقابل عروبية الصحراء الجاهلة، لذلك ومن هذه المقاييس وقع الإسلام الفتي في خطر داخلي وعقلي كبيرين، سيما أنه إستطاع توا أن يُخضع المناطق الهلنستية لسيطرته، بقوة السيف، ولحد الآن يعتقد المستشرقون، بأن الإسلام الفتي قيّد مسيحيي المناطق المحتلة ومنعهم من إعتناق الإسلام، ولم يشجعهم على دخوله، لأسباب مادية دنيوية، ولما تدرّه ضريبة الجزيّة، حيث توجب على الرعايا الغير مسلمين دفع ضرائب أعلى بكثيرمن تلك التي يؤديها المسلمون.وبالنظر إلى أدلة النقد التاريخي، التي تثبت أن الإسلام هو ثورة على مسيحية هيلنستية في شبه الجزيرة العربية، لذا يصبح واضحا أن التفسير المادي ( المالي ) هو تقييم خاطئ وبأحسن الأحوال نظرة أحادية وتصوّر قصير النظر. فالسبب الرئيسي لإنغلاق إسلام مابعد النبوّة، كان بدون شك حقا مشروعا، سببه الخشية من مرور خطر محدق بالإسلام، عبر هؤلاء، فالنزاعات اللاهوتية في شبه الجزيرة، كانت قد حُسمت توا بحد السيف، ونظرا لهذا الترابط مع الماضي المسيحي الهيلنستي للإسلام والمعروف آنذاك، يمكن تجنب النزال وتجنب إستغلال تفوق الثقافة الكتابية للاهوت المسيحي الهيلنستي ..لقد كانت محاولة دفاعية أمام طغيان الثقافة الكتابية للغرب المسيحي، الذي كان بنظر الإسلام (بحق ومشروعية) غربا فاسدا.ومنذ البداية حاول إسلام مابعد المرحلة النبوية وبشكل حاسم تطوير لاهوت يسمى علم الكلام ، وصفه باحث الإسلاميات الفرنسي لويس غاردني قائلا : كما هو حال اللاهوت المسيحي، فإن علم الكلام ينظر إلى أسسه الكتابية كمعطيات مطلقة، يجند من أجلها كل تجهيزات المنطق والفلسفة، لكن الوظيفة المهمة للاهوت المسيحي كما يراها القديس اوغسطين هي المعرفة الإيمانية، وهذه لاتشكل أولية في علم الكلام، فالوفاء إلى المنابع وإقتحام الأسرار الأيمانية يُوظف ضد من يشكك ويكذب، عليه أصبح لعلم الكلام وظيفة تبريرية دفاعية، بينما تحتل هذه الوظيفة في اللاهوت المسيحي مرتبة ثانية. ، وهكذا غدت قواعد ( الكلام ) دفاعا وليس تنويرا.
وقد يبدو خطأ كبيرا لو عنينا أن هذه الدفاعية السكونية هي النيجة المنفردة للصعوبات الإسلامية المبكرة، والتي دعت إلى طمس معالم المسيحية المكية والتاريخ المبكر للقرآن، ومحاولة تجنب تعريض أسس الإسلام لجدل مع لاهوت مسيحي هيلنستي، فهذه البداية الحكيمة والضرورية، أنتجت للإسلام المتأخر، أعراضا وتأثيرات غير منتظرة، تحوّلت تدريجيا إلى أضرار جمّة، وما نروم إاليه هو توضيح هذا الأمر بمقارنة مع المسيحية الهيلنستية.لقد أ ثبت مرارا وتكرارا وجود بون واضح بين الديانتين، ففي الإسلام يغدو الله حاضرا وملموسا في كتاب، أما في المسيحية فيغدو حاضرا في شخص، لكن هذه الخصائصية مرهونة فقط بالنتائج النهائية للأرثودوكسية، وعبر تطوّر سياسي دوغمائي طويل. ومما لاشك فيه، فإن يسوع المسيحية الأولى، لم يتمتع بخصائص مذهب التثليث، ولا بما ألصقت به الكنيسة الرو_ هيلنستية من ألوهية، وكذلك القرآن، فلم يُنظر إليه في الإسلام المبكر على أنه غير مخلوق وإلهي، كما صوّرته الأرثودوكسية الإسلامية في العصر العباسي الأول (قرن ثامن م ) وقت تدوين العقيدة الإسلامية، فهذه السياسات الدوغمائية، التي ألصقت التأليه بشخص هنا، وبكتاب هناك، بشرتنا بمنافع وأضرار عديدة، تم حصادها أثناء نضوج وتوطيد كلا العقيدتين.لقد صهرت الأمبراطورية المسيحية الهيلنستية بين قانون الدم القديم، وعبادة الخصب ( أو المرتفعات عند إسرائيل القديمة) [4] والعقيدة المسيحية الناشئة، صهرت بينها مجتمعة وبين عقائد سحرية آثارية منقرضة ( أو معاصرة حينها) في دولة بروليتاريا كبيرة، لتحصل على عبادة سحرية غامضة بالأسرار الإلهية دُعيت ( الجسد المسيحي ) هذه العقيدة أثبتت بصورة ناجعة وخارقة، أنها أداة تأديبية، لإدارة الإمبراطورية.
آنذاك إقتضت مصالح الدوغما الإمبراطورية هذا التحوّل من عبادة البطولة المحلية إلى عبادة المسيحية، ورفعتها إلى حق كوني ووحيد. وحدث التأكيد التوحيدي ( للجسد المسيحي ) عبر صراع دوغماسياسي ،من خلال ما أعدته المسيحية الإمبراطورية من تسحير وتأليه للجسد المسيحي والقربان المقدس، وتثبيته كعقيدة وإعداد الإدارة المركزية السحرية لهذا التأليه، ليصبح محورا للتأديب والحكم، لكنها حافظت بآن معا على التاريخ المبكر وتاريخ يسوع عبر الكتب الوفيرة للعهد ين القديم والجديد، وجميع الأناجيل والعلوم والآداب السابقة للمسيحية. وبالتأكيد فقد سبب تسليط مركز الدوغما على الإدارة السحرية للجسد المسيحي ( القربان) إلى إهمال واسع للوثائق، وإلى خلق فهم تخيّلي لتاريخ المسيح ، إلى أن جاء عصر الإصلاح الديني، مع ظهور ترجمات إنجيلية بلغة الشعب، فحدث العجب :كم من الحقائق الإنجيلية الحكيمة كانت قد أخفتها أو إحتقرتها الكنيسة، لذا كان الإحتفاظ بوثائق تاريخية وقانونية وإيمانية وإنسانية إنجيلية ( روم هيلنستية) والتي كانت بادئ الأمر ذات أهمية ثانوية في هرمية إدارة الجسد المسيحي، ( تلك الوثائق ) أصبحت ( بعد الإصلاح ) أساسا واقعيا لتفكير منطقي حر. فمن وثائق الضواحي والمحيط البعيد، من هناك حيث الثقل الإنجيلي الإنساني ، أمكن الهجوم الثقافي والأخلاقي على أنظمة الإدارة المركزية للأمبراطورية السحرية. لقد هوجمت في عصر الإصلاح الديني ( المقصود اللوثري) وما تزال تهاجم إلى يومنا من خلال قاعدة عريضة من أدوات النقد التاريخي، إلى أن أصبحت من حيث المبدأ موضع تساؤل. لقد تركت هذه المركزية المسيحية لإدارة وتألية الجسد المسيحي، تركت المحيط المترامي الأطراف وتاريخ العالم متحررا من السحر، مما سمح بنضوج علوم الأنتيكا، فالإنسانيات والطبيعيات وحضارة الكتابة في عرض هذا المحيط المترامي تقدمت رويدا رويدا بعيدا عن رقابة الهرمية الكنسية، ومن المجدي ذكر بعض الأمثلة:إن طرق نقد النصوص الإنجيلية، في علوم اللغة الكلاسيكية، أو علوم العهد القديم ، بدأت في المحيط البعيد عن مركز المقدس ، وبعد عمليات طويلة وصبورة، جُربت تلك الطرق النقدية على صلب العهد الجديد، فالممارسة الحرة لتفكير فلسفي ديني وعقلي بحثي، هو الشرط لنضج علوم الطبيعيات وتقدم التقنية ، ومن الواضح فأن تمركز المسيحية الهيلنستية ( فكرا وممارسة سحرية ) حول تألية الجسد المسيحي وإدارته، قد منح فضاءا متحررا للمحيط الثقافي الداني والنائي ، وهذا الأخير أصبح أساسا للنهضة وبالتالي لهيمنة الفكر الغربي.أما مسيرة وصيرورة الدوغما الإسلامية، فكانت مختلفة تماما وشديدة الضررعلى تقدم وإزدهار الدائرة الثقافية الأسلامية، فالنبي محمد فهم الإسلام بأنه العودة إلى الجذور المشتركة للديانتين المشوهتين ( المسيحية واليهودية ) واعتبر نفسه تاريخيا، آخر حلقة في السلسلة التاريخية للأنبياء المرسلين، لكن إسلام الخلفاء ( كما أثبتت البحوث النقدية التاريخية والأستشراقية الليبرالية) لم يُبرز دعوة محمد ورأيه المبني على رشد ووعي تاريخي عقلاني. فالأمر يدعو إلى موقف من الآثار والمنابع الكتابية العربية القديمة. لقد كان الزمن المبكر للإسلام ناضجا تماما ومؤهلا للبحث النقدي، هذا ماتبرهن عليه بقايا الموروث في كتابة التاريخ المبكر للإسلام، ولربما كان بإمكان سجال فعال وهجومي وعقلاني (نقد تاريخي ) مع المسيحية واليهودية كان بإستطاعته أن يحمي الإسلام من مصير أودى به إلى عقلانية دفاعية إنعزالية ، أثناء صراعه مع الغرب الهيلنستي .لقد نحى الخلفاء المباشرون، بإعتبارهم القيادة السياسية والدينية للإسلام إلى نزعة واقعية في تقدير الأخطار المحدقة بالإسلام الفتي، وإدراك التفوّق الثقافي الكتابي لإيديولوجية الأمبراطورية المسيحية الهيلنستية، فعبر كبت وتكذيب الماضي المسيحي للإسلام والقرآن تم سحق نقاط الإرتباط، وتجنب النزال مع المسيحية ولاهوتها، ولربما وبإحتمالية كبيرة إستطاع هذا التغيير الذاتي في الإسلام من تحصين مكتسباته الدينية وإستقلاله عن المسيحية، إذ إن التمزق اللاهوتي الداخلي ( عبر قوة الإثبات والبراهين ) المسيحية، سيؤدي إلى رفع راية التسليم لها، لكن هذا الطمس الذاتي المتقطع الأوصال لماضي الإسلام المسيحي ، قد نفذ بقناعة عالية، إذا ما أشبعت أغراض السياسة اليومية، لذا فقد ظهرت الصورة التاريخية المحرّفة للإسلام ذات مصداقية، لكن هذه الضرورة القسرية لم يعد بالإمكان رفعها بسهولة، فتلك الضرورة التي سببت تشويه الصورة التاريخية للإسلام . جعلت العودة إلى الصورة التاريخية الحقيقية غير ممكنة، بعد توطيد دعائم الدولة الإسلامية وتراجع أخطار التفتت اللاهوتي. إذن وبسبب هذه الضرورة الدفاعية القديمة نتج هذا النص القرآني، الذي لم يعد من المستطاع إثارة التساؤل ( النقد تاريخي ) حوله، وهي نفس الضرورة التي أخذت على عاتقها تحريفه، برغم كل المحاولات الإسلامية المستمرة والطويلة، والتي سعت إلى تأمل حر للنص القرآني ( في البداية ظهرت معلرضة دؤوبة تعتبر هذه الدوغما الجديدة [ تأليه النص] شركا، أو إشراك مخلوق بالله ) لكن هذا النص أصبح أكثر وأكثر قداسة وتابوية، بمعنى آخر، أصبح نصا تشرحه الطبقة السياسية الدينية المسيطرة من العلماء على أنه نص غير مخلوق وكلمة الله الحاضرة في الأبدية، وذلك لتجنيبه أية محاولة نقدية, وهذه الدوغما ( القرآن الإلهي الغير مخلوق ) تمثل الماكسيما الإسلامية الأرثودكسية، فالقواعد اللغوية القاموسية العربية لم تعد لتقرر معنى النص القرآني، بل العكس فقد أصبح هذا النص [ المحرف جوهريا وتاريخيا والمثبت دوغمائيا، هو الذي يكمم قواعد اللغة وعلوم قواميسها، وهذه الماكسيما توضح ماتم تدونيه في هذه المحطة النهائية لتطوّر الدوغما الإسلامية
.في المسيحية كان الفارق واضحا ونوعيا بين مركز الدوغما المبني على إدارة عبادة سحرية غامضة الإسرار ( الجسد المسيحي الإلهي ) وبين الوثائق التاريخية الكتابية والإيمانية اليهودية والمسيحية، هنا سيطر غموض جسدي سحري ( الثالوث المقدس ) وتفكير تابوي غير منطقي وهناك ( في الوثائق) سادت عقلانية منطقية وفهم تاريخي للعالم الواسع وتاريخه، وبما أن هرمية الكنيسة، ذات التفكير والعقل الدوغمائي الإنضباطي قد تمحورت حول طقوس الجسد المسيحي المحاط بالإسرار السحرية الغامضة، لذلك بقيت الضواحي العقلانية الدانية والنائية، والوثائق التاريخية الكتابية ( إيمانية وقانونية ) بقيت متروكة للعقل الإنساني النقدي المتحرر، لذا فقد ورثت المسيحية حتى الوثائق اليهودية في صيغة العهد القديم ( كما هي عليه).فالقرار الإساسي الذي أتخذ بداية، هو الصمت وطمس معالم المسيحية في القرآن والإسلام مما أدى إلى تطوّر دوغما إسلامية، لم يكن لأحد أن يفكر بها (زمن طمس الضرورة) أو يتوقعها أو يقصدها، وكلما بعُد وطال زمن ثبات الهدف القديم ( وهو الدفاع الذاتي المشوّه وإثبات الصورة التاريخية الخاطئة ) كلما حُرفت الصورة التاريخية للنبي والأقوال التيولوجية والتاريخية للقرآن، من هنا فقد ملئت هذه الفترة الخالية للصورة التاريخية، الناجمة عن طمس معالم المسيحية في الإسلام المبكر، بمعلومات تاريخية خاطئة، كان لها آثارا مباشرة على تحرير وتفسير النص القرآني. وبالتالي فإن هذا الطمس والتحريف للتاريخ المباشر الذي سبق القرآن والإسلام، أصبح عقبة أمام تحقيق مقاصد النبي، ألا وهي العودة إلى دين إبراهيم وإسماعيل والأسباط، وحيثما ترفض الصورة التاريخية، التي حُرفت من حيث المبدأ، وعندما لا يُطرح السؤال النقد تاريخي الجريئ لمصلحة ( الحقيقة) السؤال عن الماضي المسيحي لشبه الجزيرة العربية قبيل الإسلام، لن يستطيع أحد أيضا أن يعود إلى الماضي التوراتي (بموضوعية وإنفتاح) ذلك الماضي الذي من خلاله نادى النبي ( لدين إبراهيم وإسماعيل والأسباط ) هذا الوضع يشرحه النقص الرهيب للبحوث الآركيولوجية في الدائرة الثقافية الإسلامية، والذي يناقض بحدة مبدأ عودة الرسول الغير مشكوك فيها إلى دين إبراهيم ، ويلاحظ المرء أن المسيحية الهيلنستية ومحيطها قد تمسكت وحافظت على العهد القديم اليهودي، أكثر من الإسلام الأرثودكسي، الذي أعلن نبيّه العودة إليه( دين إبراهيم)، فالتشويه والطمس لماضي الإسلام في شبه الجزيرة والتخلي عن الأسس العقلانية الإسلامية التي سعى لها النبي ( دين إبراهيم ) بإعتبارها حقيقة تاريخية ورابطة عمومية، أدى إلى تضييق القاعدة العقلانية للإسلام وحصره في إطار نص قرآني حُرف من حيث المبدأ تاريخيا وقواعديا وموسوعيا.
في المقابل لم يعرف الإسلام هرمية كهنوتية متميزة عن الشعب، مهمتها مباركة القربان المقدس، وهذا يتناغم مع مقاصد النبي، المضادة للهيلنستية وطقوس القربان السحرية الغامضة ( الإلهية )، على أن هذا الإسلام الذي أراد له النبي أن يكون عقلانيا منطقيا، تغير بواسطة خلفائه، الذين أخذوا على عاتقهم إجراءات دفاعية، تمثلت في طمس التاريخ المسيحي السابق للإسلام، وهذا أدى إلى تحريف أساسي في المراكز الإيمانية والقانونية والوثائق الكتابية، والنص القرآني، وما رافقه من تدوين تاريخي، وبسبب هذا التشويه البنيوي، أصبحت هذه الوثيقة ( القرآن ) تتجنب النقد التاريخي والقاموسي والقواعدي وبشكل إضطرادي لتصبح في نهاية المطاف الوثيقة الغير مخلوقة والإلهية ( وثيقة خالية من التاريخ ) وأداة رفعتها وترفعها طبقة العلماء ( كحق البرهاني المتوارث لتمثل الحقيقة الإلهية الفريدة، Archaischوحقيقة ) أمام الحقائق التاريخية للعالم، وأمام التاريخ الأصيلالتي لاجدال عليها.وهذا يعني (مقابل المسيحية) أن التفكيرالتابوي (السحر غموضي) قد منح سلطانه للإسلام والقرآن وخوّله إدارة المحاور الإيمانية والقانونية والوثائقية، وأن يمد نفوذه من المركز وبدون قطيعة نوعية، ويهيّمن على تخوم ومناحي الحياة العقلانية بأسرها، فتعرضت الحياة العقلية العمومية إبتداءا من المركز، بأضرار فادحة وأصيبت بالشلل ولا تزال مشلولة حتى يومنا.( السبب وراء [تقدم] المسيحية والإحباط في المجتمع الإسلامي )بعد الإنطباع الناجم عن النجاحات التي حققتها العلوم الغربية في القرنيين الماضيين، طرح مثقفون مسلمون مرارا وتكرارا السؤال:
لماذا كانت النجاحات العلمية والتقنية من نصيب عالم المسيحية وليس من نصيب الإسلام، الذي صمم له نبيّه أن يكون دينا عقلانيا وليس سحريا، فمن الأولى أن يمتلك القاعدة لتلك المكتسبات.إذا توضح للمرء أن الإنضباط النقدي للعلوم الإنسانية ( فلسفة، فقة لغوي، تاريخ ديني )هو الأساس الجوهري لتطوّر الفكر والتعامل التقني، والعلم طبيعي، فعلى المرء أن يقر بأن تضييق الحياة العقلية الإسلامية على نص قرآني تم تشويهه في المرحلة المابعد نبوية، وعلى صورة تاريخية ممسوخة، كل ذلك أدى إلى نتائج وخيمة، جعل الإسلام الذي أراده النبي عقلانيا ومنطقيا، يصبح مستحيلا ولا معقولا. وفي العادة يقدم المسلمون أعذارا عن هذا الفشل الغريب، والذي يُرد على ما جلبته المسيرة التاريخية من سيطرة أجنبية، وبالأخص الإستعمار الأوروبي والإمبريالية .

هذه الأعذار ( وبكل وضوح ) سطحية لأنها توفر على نفسها عناء التساؤل النقدي : لماذا خضع الإسلام العروبي إلى موجات عديدة من الفكر الغريب والهيمنة الأجنبية.، فقد خضع للفكر والروح الفارسية، مع نصر العباسيين ( 750م ) والتركي بعد السيطرة السلجوقية ( 1055م ) وأخيرا العثمانية ( بين القرن 16م _20 م ) وقبلها سيطرة المغول في القرن 13م.السيطرة التركمانية تقدم شيئا خصائصيا، فالخليفة في بغداد قام حوالي ( 1000م ) بتدمير السلالتين الشيعيتين القديمتين، بعد أن حكمتا قرابة قرنين من الزمن، أولاهما كانت السلالة السامانية ذالت التقاليد (البوديهية؟؟)[5] والثانية هي السلالة البويهية ذات التقاليد الفارسية. لقد حطم الخليفة تلك السلالتين الراقيتين عبر تحالفه مع قبائل تركمانية زاحفة من هضاب الشرق، بإتجاه فارس، وهي قبائل أميّة بدوية أسلمت وتسننت على عجل، وسرعان ماسيطر هؤلاء ( الهمج) على السلطة عام (1055) هذا السلوك السياسي لسلطة المركز الإسلامي الأرثودكسي، هو بعض الشيئ تكرار للفترة المابعد نبوية في الإسلام المبكر ، وهي تكرار لرفض جدل عقلي مع خصم مثقف، وبدل ذلك، البحث عن مخرج لاعقلي ( سلطوي ) حينما تلوح بوادر هزيمة عقلية محتملة. بالرغم من أن هذا المخرج السياسلطوي كان يقود إلى تبعية أكثر إذلالا. وهذه الميول المعروفة للإسلام الأرثودكسي، التي تدفعه للتحالف مع الأميين ضد قوة فكرية ذات ثقا فة راقية، تمنحنا الفرصة لنتكلم عن الضرر الرئيسي الذي سببه تشويه النص القرآني والصورة التاريخية الإسلامية، هذا الضرر يكمن في: الأميّة الخصائصية للدائرة الثقافية الإسلامية
إن الماكسيما في الإسلام الأرثودكسي تتجسد في أن القواعد اللغوية العامة لاتقرر اللغة القرآنية، فالقرآن هو الذي يقرر القواعد اللغوية العامة، وهذا أدى إلى تعايش نوعين من القواعد اللغوية ، أولاها قواعد لغوية تابوية لاهوتية لتفسير القرآن، ولتمنح هذا التفسير تعليلا حكمويا ( من الحكمة)، وهكذا فإن العلوم القاموسية والقواعد القومية اللغوية “ المتقدمة علميا “قد تبنت نظرية دفاعية لتبرير التشويه في النص القرآني والتاريخي، أما الثانية فتتمثل بقواعد اللغة للعربية الأصيلة، أي قواعد اللغة الأم أو الشعبية، التي لم يحاول الإسلام فحصها ( كنظام ) أو توصيفها بعلمية، لهذا أخذت اللغة الفصحى ( اللاهوتية ) ولأغراض الدفاع وشرح النص القرآني المحرّف دوغمائيا، تقذف اللغة الأم وتتهمها بالقصور وعدم القياسية، لأن إستخدام هذه اللغة على النص القرآني ( مقرون بأدوات النقد التاريخي والدوغما لاهوتي ) سيقود حتما إلى فضح التشويه والتحريف في القرآن المابعد نبوي، على هذه الأسس الدوغمائية تم الحط من قيمة اللغة الشعبية الأم ، وبالتالي تجريد الحكمة الطبيعية وعقل الشعب ( والنكتة الأم ) من حقوقها، عليه فإن التأهيل أو التعليم في المناخ الإسلامي يعني تكذيب النمو الطبيعي والأصيل والمفهوم ( المُدرَك ) وهيمنة شيئ خارج أو فوق طبيعي، يقرره العلماء الأرثودكسيون بمفردهم ومن هنا تتوضح المفارقة الغريبة، فالفضاء الثقافي الإسلامي وحتى العصر الحالي، لم ينتج أدبا شعبيا، وتقريبا فإن الإستثناء الوحيد هي المجموعة القصصية الشهيرة ألف ليلة وليلة، والتي تتكون بمعظمها من النتاج القصصي الفارسي والهندي.إن الأميّة الخصائصية للدائرة الإسلامية هي بالفعل عصية على الإيضاح لصعوبات جمّة، ولو أخذنا الكتابة العربية مثلا ، فنظام الكتابة الياباني التقليدي هو أكثر صعوبة لكنه لم يُعيق الثقافة اليابانية من أن تستولي كتابيا وعبر تثقيف جماعي عريض على علوم المجتمعات الصناعية، لكن الأميّة الإسلامية تشرح نفسها من العمق، فقد حكمت وحطت ( إحتقرت) من شأن القواعد الطبيعية للغة الأم، وبالتالي حكمت على الموهبة الطبيعية للشعب بالتسطح والعجز، كما أن التعليم كان دوغمائيا، وإمتيازا للطبقة المسيطرة ( العلماء ) ، وهذا التعليم الدوغمائي كان ومايزال فكرا سلطويا، ولم يكن واجبا وممكنا للشعب بشرائحه العريضة ( أن يتحمل أو يعترف بذلك الفكر[ 6]
أخيرا فإن الإنتشارالمستمر للفكر التابوي السلطوي السحر غموضي من مراكز الوثيقة الإسلامية بإتجاه التخوم العقلية للحياة الإسلامية، كان السبب في أن المجالات الثقافية الإسلامية، كانت خالية من تعليم طبيعي للشعب ( إما أو لا) إما علوم دينية لاهوتية أو لا تعليم بالمرة، لذا فإن الإستيلاء على علوم طبيعية بحتة في ظل تعليم عمومي ناقص يبقى إشكالية في غاية الصعوبة.وأختم بهذا المقطع:
ليومنا هذا لايوجد في الإسلام طبقة كهنوتية تحتكر المقدس ( وهذا يوافق المقصد النبوي ) لكن الإسلام بدأ ( وبدون طقوس معرفة المقدس ) بتشكيل طبقة علماء مثقفين ( إبتداءا بالجمع العثماني لنصوص القرآن ) إحتكرت لنفسها القوامة على النص القرآني ( المحرّف ) وعلى إدارته للسواد الأعظم من الشعب، تماما كما فعلت الطبقة الكهنوتية مع الجسد المسيحي

.الهوامش


1Günter Lüling, Die Wiederentdeckung des Propheten Muhammad. Eine Kritik am ‚christlichen‘ Abendland, Erlangen 1981




3 machtpolitisch سياسلطوي إقتراح لترجمة اللفظ الألماني


4 عبادات الخصب هي كنعانية، بالأساس وجملة لوليغ تحتكرها لإسرائيل القديمة


5هل قصد لولينغ البوذية؟؟


6 في الحقيقة لم أفهم قصده في هذه الجملة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق