السياسة بين الأحذية

ربما تكون العفة والتسامي أو العجرفة، وراء هروب الأقلام من"عاصفة الحذاء" وتركها الساحة للنثر الصحفي والتهكمي أو للشعر الممل. وهذا برأيي هروب من حدث مهم ذي بعد رمزي وشحنة تعبيرية مؤثرة، تعكس مركبات سوسيولوجية، فالتاريخ ليس قاطرة للأحداث والوقائع وحسب بل شحنة من الرموز. تقود معها العقل الجمعي ومكونات الهوية، بغض النظر عن ماهية الحقيقة؟

ومثال ذلك معركة "عمورية" بين العباسيين والبيزنطيين، فهل هنالك من يسأل عن أسماء القادة الذين صالوا بسيوفهم ؟بالتأكيد لا؟ فصرخة "وامعتصماه" التي أطلقتها إحدى النساء إختصرت المعركة وصرخات الحرب وأنات الجرحى وجعلت أسماء أمراء الثغور وحتى إسم الإمبراطور البيزنطي الذي خسر المعركة من توافه الأمور؟ أجل التاريخ يتحول في لحظة ما إلى شحنة عاطفية مغموسة بروح الشعر وفضائه الملحمي.

هذا ما فكرت به بعد أيام من الواقعة (شخصيا لم أتابع تفاصيلها، بسبب غيبة تموزية في العالم السفلي، صاحبها إنقطاع لحنفيات الإعلام المقروء والمسموع) لكن لم أفاجأ بالصدى الإعلامي الكبير وإنقسام الأقلام بين حزب "الحذاء" وحزب "بوش" ولم أفاجأ أيضا بموقف قوى اليسار وخصوم العولمة المتأمركة، وأنصار البئية وحقوق الإنسان، فهؤلاء صفقوا للحذاء بسبب (لوثة) قديمة ووفاء لحلمهم "بيوتوبيا ماركسية" تضمن الحق والعدالة والكرامة للناس، وتحقيق عالم من المثل، صرعها جبروت المال وغطرسة القوة والأساطيل والهيمنة. وهم بذلك يقفون عكس (فرقة دبكة الليبراليين العرب) وكتاب الولائم الذين يوجهون شراعهم حسبما تشتهي الرياح، والذين يذكروني شخصيا بقصة دخول الإنكليز للعراق عام1917م، آنذاك كانت جريدة "العروى الوثقى" تكتب المدائح وتدبج القصائد لنصرة العثمانين (وأسد الدردنيل أنور باشا) ومن بين تلك الأقلام كان محمد مهدي البصير، وأبو طبيخ وأبو المحاسن وغيرهم، وما أن إستولى البريطانيون على بغداد حتى بدأت نفس الأقلام (وبأسماء مستعارة) تدبج قصائد التعظيم للمحتل البريطاني وإمبراطوريته التي لاتغيب عنها الشمس (على متون جريدة الإستقلال) وبينهم للأسف كان (شاعر ثورة العشرين لاحقا) البصير نفسه؟؟

لهذا وفي ندرة البطولة كانت أولى أمنيات كاتب السطور أن ينعم السيد الزيدي بالسلامة والحرية، ولابأس من الإعجاب بشجاعته وفروسيته وتضحيته وطبع قبلة حارة على يمينه التي رمت إذ رمت ولم تنتظر (رمية ربك التي تتأخر كالعادة لأسباب مجهولة)
فما جرى للعراق هو ترويع وجريمة حرب وتحطيم لبنية دولة وتمزيق لعرى شعب وتسليمه بيد قوى ظلامية وشوفينية متدثرة بأكفان التاريخ الأسطوري وأحقاده. وما تذيعه أبواق الإحتلال وأدواته من العلاكين والتي تتستر على الويلات والفظائع وتعتبرها قرابين على مذبح الديمقراطية الموعودة، أو ضحايا للإرهاب القاعدي والعنف المذهبي، فهذه ذرائع تستحق وابلا من الأحذية. إذ لا شيئ يمكن أن يبرر التنظيف الطائفي، وتهجير ملايين من السكان السنّة (وأحيانا الشيعة) ومسيحيي الموصل والبصرة ونهب الثروة والمتاحف وموت مئات آلاف الناس، وسجن المرأة بأكياس الفقهاء القروسطيين، ناهيك عن ثقب الرؤوس والجثث المقطعة. فكل ماجرى تتحمل مسؤوليته قوة الإحتلال (وفق قواعد القانون الدولي وإتفاقيات جنيف)
هنا سوف ينتفض تجار الكلام، ويقولون: لاتصدقوا هذا فإنه "شاعر" يقف على أطلال نظامه الديكتاتوري المقبور ويبكيه؟ لا أبدا، فكاتب السطور يعلم أن للإستبداد والطغيان والديكتاتورية أرض خصبة وذهنية ذكورية أبوية مستبدة، وموروث ديني وتاريخي أصاب حاضرنا بالعقم والشلل، ناهيك عن تراث من الحكم والبداوة يقوم على مبادئ الغلبة والعصبية، من هنا كان واجب قوة الإحتلال (كأمر واقع وليس شرعي) أن تفسح المجال لفترة إنتقالية طويلة، تضمن من خلالها إستمرار الدولة وبنيتها الإدارية البيروقراطية المعقدة، لا أن تبيح وتستبيح كل شيئ وتحوّل البلاد إلى مختبر (بريمر نيغروبونتي) للتمزيق والتحريض الطائفي والعرقي وساحة للحرب مع الإرهاب ومسرحا للنصابين، والحواسين واللصوص، والعمائم والعاهات المريضة، العائدة من مقاهي (دمشق وطهران ولندن)
لهذا فإن النعال الذي ناله الرئيس بوش، وسام يستحقه وإدارته بجدارة، وعزاء رمزي للمنكوبين واليتامى والأرامل والضعفاء.

لكن ملحمة "الحذاء" هذه كانت وستبقى رمزا يخص الميثولوجيا والثقافة الإسلامية، التي تربط الحذاء والنعال بالنجاسة والقذارة (إضافة للبول والغائط والكلب..إلخ) لهذا يخلع المسلم حذاءه في باب المسجد، أسوة بموسى (الأسطوري) الذي خلع نعليه في واد مقدس؟ وهذه الدلالات يمكن فهمها في نسق ثقافي ما، تماما كالبول الذي يعتبر نموذجا للنجاسة والقذارة وإفساد الوضوء، مع أن خطورته لاتقارن بالمياه الملوثة بالبلهريسيا وفيروسات الإلتهاب الكبدي، التي يشربها المؤمنون وهم يشكرون وبنعمة ربهم يسبّحون؟فالنعال لايحمل دلالة تقذرية بلغة الحداثة وهو أخف وطأة من الطماطم والبيض..لقد إستغربت إحدى الصحف الغربية الحادثة فكتبت ساخرة: قاذف حذاء يصبح بطلا قوميا؟ لجهلها بالقيمة المعنوية والفضاء الشعري للحذاء في موروثنا العربي.
لكن المبالغة بالحدث أمر عقيم. وجلّ ما أخشاه أن يطلق إسم " حذاء" على بعض مواليد هذه الأيام كما يطلق إسم (سناء ووفاء وبهاء ..إلخ) ولا أدري إن كنا سنسمع يوما بخف بن نعل الصندلي

ملاحظة: تجدر الإشارة بأن"الصندل" هو نوع من الأشجار التي أستخدمت أوراقه في الطبابة والعلاج، ومن لفظ "صندلية" حصلنا على كلمة "صيدلية" ووفق صيرورة الدلالة في اللغات يخشى أن يصبح لفظ "حذاء" مقدسا أو رمزا يتبادله العشاق في عيد الحب، (مادام فقهاء الوهابية يحرّمون إهداء الورد) والأخطر من ذلك أن تختصر حرب الخليج الثالثة ومآسيها: بحرب الحذاء

هناك تعليقان (2):

  1. لعل أول الغيث ضربة حذاء!--حذاء الصحفي كان ذو رائحة نفاذة--وصلت لأنوف الغاضبين والنازفين جراحاً على أوطانهم--الأن سيصبح هناك دورات سرية للتدريب على رماية سلاح الحذاء--وستقام مسابقات والفائز فيها سينال وسام أفضل هداف في مرمى الطغاة--أما الجائزة فستكون عبارة عن (لبيسة)!!عذراً للسخرية فالواقع يدفعنا للضحك على المبكيات--تحية من صديقة قديمة للصديق القديم العزيز الأستاذ نادر قريط0

    ردحذف
  2. شكرا للصديقة العزيزة على زيارة هذه الصفحة المتواضعة، وأتمنى أن نكتفي بأول الغيث لأن مطرا من هذا النوع سيمنع الناس من الترشح للرئاسة وشكرا

    ردحذف