تعقيبا على فراس السواح

تعقيبا على فراس السواح
"أهل الكهف" نموذجا

مطلع التسعينييات تعرفت على كتابات الأستاذ فراس السواح (صدر كتابه الأول: مغامرة العقل الأولى، عام 1976م) أنذاك أصطحبت كتابه (لغز عشتار) في إحدى الرحلات، التي قادتني لبلد عربي، وأثناء خروجي (حيا أرزق) إستوقفني الأمن في نقطة حدودية وأجرى تفتيشا دقيقا على حقيبتي، وبعد ساعة من الإنتظار فوجئت بمسؤول أمني يجلس الهوينى ويُقلب كتاب السوّاح، ويتفحص صور التماثيل الحجرية للإلهة الأم. وبعد أن تمطى في كرسيه سألني: هذا كتاب سوري عن الإلحاد أليس كذلك؟ قلت له: إنه كتاب عن الميثولوجيا في الشرق القديم؟ وخشية من إلتباس لفظ "ميثولوجيا" عليه أضفت موضحا:إنه كتاب عن الآثار القديمة؟ صحيح أن القصة إنتهت ومرت بسلام لكن سؤال المسؤول ظل عالقا بالذاكرة لغرابته وربما لأنه إنطوى على بعض الحقيقة فالكتاب المذكور بدا لي وكأنه منح عشتار الجنسية السورية، وشحنها بميول وأهواء وطنية معاصرة؟ مما أزعج أحد الأصدقاء العراقيين الذي قال لي بحمية وطنية مضادة: منذ متى أصبحت عشتارسورية؟ أليست هي ربة الخصب في أوروك الرافدية؟
أيضا مرت الأمور بسلام، فلو أخبرت هذا الصديق بأن كلمة "الخصب" هي إسقاط دلالي معاصر لفكرة الدعارة المقدسة التي مارسها الكهنة والكاهنات في المعابد القديمة، لثارت ثائرته القبلية ودخلنا في قضية "لايسلم الشرف الرفيع "
قد لاتكون هذه القصة مدخلا مناسبا لتناول باحث كبير قدم إضافات جليلة للمكتبة العربية، إنما رغبة من كاتب السطور لخلق جو نقدي، بعيد عن المداهنة والتملق الرخيص. وبعيد أيضا عن الجدل العصابي الحاد، وذلك لتعميق فكرة البحث المقارن، التي كانت ومازالت عصب الدراسات التي قدمها السوّاح في معظم أعماله
وتحديدا لسقف الحوار سأتناول دراسته المقارنة عن أهل الكهف. لكن أود قبلها ومن قبيل العرفان أن أشير إلى كتب الأستاذ السوّاح العديدة والغزيرة التي توّجها بموسوعة تاريخ الأديان إضافة إلى ما سبقها من أعمال مثمرة منحت جيلنا قيمة معرفية مضافة، كدراسته عن جلجامش، وآرام دمشق، والأسطورة والمعنى، ودين الإنسان وغيرها. وقد ساهمت لغة الكاتب الخصبة والميسرة في جذب القراء، إضافة إلى ما تزخر به كتبه من غنى معرفي وجهد ترجمي وبحثي جدير بالإعجاب.
وبالمناسبة لابد للمرء أن يلّمح أيضا لدراساته المقارنة في متون جريدة "الأوان" الإلكترونية، والتي بدأها بسلاسل بحثية متراصة توقفت شخصيا عند الكثير منها خصوصا المبكرة كالتطور الميثولوجي للسيد إبليس في الثقافات الشرقية أو ما أسماه "لاهوت الملاك الساقط" والتي بدأها بتجليات فكرة الشيطان في الحضارة المصرية، وإكتشافها في الموروث الزادشتي، ثم تحوّلاتها في ديانات التوحيد، وهي سلسلة كتابية يمكن للمرء قراءتها بشغف ولذة معرفية.
لكن هذه اللذة بدأت تخبو قليلا أثناء عرضه لسلسلة الآباء البطاركة وتجلياتهم في التوراة والقرآن. إذ يلاحظ القارئ حذرا شديدا في تعامل الكاتب مع المادة القرآنية لاتتناسب مع حرية البحث العلمي، أو مع أطروحاته التي تناولت التوراة على إنفراد، وقد يبدو هذا الأمر مفهوما للكثيرين، لكنه ليس مبررا، فالبحث العلمي لاشأن له برؤية الدوغما والمقدس، وعقائد الأفراد (بما فيهم الكاتب نفسه) فهو محاولة لفهم العوالم الداخلية للدوغما وتفكيك مركباتها الأسطورية بواسطة العقل وأدوات المعرفة.
لكن هذه الإشارة لاتقلل أبدا من جوهرية وأهمية المادة التي قدمها الكاتب (ولو بحيادية باردة وهدوء أعصاب منقطع النظير)
وبنفس الوقت لا يغيب عن بال القارئ النبيه، مدى صعوبة هذه البحوث المقارنة وما تستنزفه من وقت وجهد ناهيك عن الصعوبات البالغة التي تحف بها، والتي قد تسقطها تحت إملاءات هيمنة أكاديمية لسلطات أحادية المعرفة (خصوصا في ميدان العلوم الإنسانية) فكل ما نعرفه عن تاريخ الحضارات القديمة إرتبط (شئنا أم أبينا) بكشوف اللغة المسمارية والهيروغليفية في القرن 19 وتأويل قراءتها، الذي حدث على الأغلب لتبرير نسق توراتي (أسطوري) همه البحث عن جغرافيا الكتاب المقدس، وتبرير تاريخية سفر الخروج وسفر التثنية اللذين مارسا هيمنة على عموم الثقافة اليهومسيحية والإسلامية، وتدخلا بشكل سافر في بناء صورة ووعي تاريخي للحقب والسلالات، التي سادت الحضارات القديمة (خصوصا المصرية والرافدية) وتأويل أحداثها.
وبالعودة إلى صدد الموضوع وجدت أن دراسة الأستاذ السوّاح المقارنة عن قصة أهل الكهف، وفق التصورات السريانية والإسلامية تصلح ميدانا لإذكاء مزيد من الجدل المثمر الذي يساهم في تقديم تبادل رؤى حدائية لاتخدش الحياء العقلي، ولاتدخر جهدا في نقد الموروث الديني لثقافة الكهوف؟ سيما وأن هذه القصة الفريدة تجمع بين تقاليد نصيّة قرآنية، وموروث مسيحي مابعد إنجيلي؟! وربما تكون محاولة لبث رؤى جديدة حاولت كشف السياق التاريخي لنشوء هذه القصة اللطيفة والمؤثرة.
تعقيب على أهل الكهف بين الأدب السرياني والقرآن:
في ملخص سريع يقدم الكاتب (كما هو مألوف) الركائز الأساسية لكلا الروايتين، ويعرض أولا تداعياتها في النسق القرآني، كما وردت في سورة الكهف، وملخصها أن عددا من المؤمنين فروا من الإضطهاد الديني (دون أن نعرف هوية دينهم) ولجؤوا إلى كهف خارج المدينة (مجهولة) وهناك ألقى عليهم الله سباتا لمدة تزيد عن ثلاثمائة عام. ثم أحياهم ، أية للعالمين ليثبت قدرته في إحياء الموتى؟ ويسرد الكاتب الآيات الدالّة على ذلك (سورة الكهف 9ـ 26) بدءا من: (أم حسبت أنّ أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً) وختاما ب (ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعاً. قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والأرض، أبصر به وأسمِع، ما لهم من دونه ولي ولا يشرك في حكمه أحداً )
ثم يشير إلى أنها قصة مسيحية مابعد إنجيلية متأخرة دُوّنت في نص سرياني يعود لنهاية القرن الخامس ميلادي نقلا عن موروث شفهي. ووفق الهامش يستنتج القارئ أنه إعتمد موسوعة الأديان في قراءته للقصة السريانية: التي تحكي عن زيارة الأمبراطور ديوكيوس لمدينة أفسٌس (في الأناضول) وملاحقته للمسيحين وإضطهادهم، مما أدى إلى فرار سبعة فتيان (أو ثمانية) إلى كهف في جبل أنخيلوس، وشاء الله لهم سباتا دام ثلاثمائة وسبعة أعوام، وأثناء نومهم حدث تحوّل الدولة الرومانية إلى المسيحية.
وفي عصر الإمبراطور تيودوسيوس الثاني دار جدل حول بعث الموتى، حينها شاءت المشيئة أن توقظ الفتية من سباتهم. وتنتهي القصة بذهاب أحدهم للمدينة لشراء بعض الأطعمة فيتعجب من رؤية صليب على باب المدينة، ويصاب بالبلبلة وعندما يُخرج نقوده يرى البائع صورة الإمبراطور ديكيوس، منقوشة على العملة، فيظنّ أنّ الفتى عثر على كنز قديم، وهكذا يقصّ الفتى حكايته وتأكيدا لها يذهبون سوية مع مطران المدينة إلى حيث الكهف (وبعدها يحضر الإمبراطور نفسه ويأمر ببناء كنيسة في المكان) ويرون رقيمين معدنيين كتب عليهما مدة إحتباس الفتية في الكهف. وفي ذلك تأكيد على قدرة الله وبعث الموتى يوم الحساب.
بعد هذا السرد يقدم الكاتب مقاربته للرواية كما وردت في النسقين القرآني والسرياني، لكن قبل ذلك أرى أن نتوقف قليلا عند الرواية السريانية، فالكاتب كما هو واضح قدم مساحة مشتركة بين النص القرآني والموروث السرياني المسيحي وترك بوابة الأسئلة مفتوحة على مصراعيها.
أولا: بالقاء نظرة أولية يمكن القول أن الكاتب لم يناقش النص القرآني مباشرة، ولم يمطره بأسئلة نقد ـ تاريخية، كذلك الحال فإنه لم يتفحص النص السرياني جيدا بل أخذه على عواهنه دون تعريضه لرؤية نقدية متحررة. وهنا يستغرب المرء تجاهله لعلامتين مهمتين في النص تشكلان طرفي المعادلة الزمنية للقصة!! فإذا هرب الفتية من إضطهاد القيصر الوثني ديكيوس (250م) ودخلوا سباتهم ثم إستيقظوا في عصر القيصر المسيحي تيودوسيوس الثاني (408 ـ450م) فإن عدد سنوات نومهم لاتتجاوز مائتي سنة وهنا تسقط القصة في تناقض داخلي، لهذا فإن الروايات المسيحية لاتحدد إسم القيصر الذي ذهب إلى المغارة، وبالتالي تلتف على عدد سني السبات، لكن الشائع أن تيودويوس الثاني هو الذي أمر ببناء سور حول مغارة النيام السبعة (إسم القصة بالموروث المسيحي) وأمر بوضع لوح رصاصي يحدد فترة نومهم؟ لذا فإن نصوص مثل legend aurea تحدد زمن نومهم ب 196سنة، ونصوص أخرى تحددها ب376سنة ممادفع أحد النقاد(1) إلى السخرية قائلا: إن إبتلاع مائة سنة كان أمرا بسيطا، لأنه يعني حسب الأرقام الرومانية خسارة حرف C
ثانيا: بعكس ما ذكره الكاتب نقلا عن النص السرياني وحضور الإمبراطور إلى المكان واستماعه للفتية وأمره ببناء مقام دينيّ في موضع الكهف. فإن الرواية المسيحية الشائعة للقصة تذكر أن الفتية تحولوا إلى رماد بعد أن تبع الأهالي (أو الباعة) الفتى ديوميديوس ظنا منهم أنه يخفي في المغارة كنزا. وبرأيي أن هذه الخلاصة كانت ضرورية في عملية إختلاق المعجزة، وذلك للتستر وطمس المعالم الحسية للفتية. ووقف تساؤلات الفضوليين وبنفس الوقت تعكس مدى إرتباك الموروث الشفهي إبان مرحلة تدوين هذه الحكاية، ولاتخفي رغبة السلطة الكنسية حينها في إختلاق"مغارة مقدسة" في أفسس لجلب الحجيج والزوار (وسلال البيض والهدايا والنذور) وهي تجارة معروفة منذ نشوء أول معبد سومري حتى يومنا هذا؟
ثالثا: إستمرارا في بحث تاريخية الرواية ومسارها الزمني هناك إشارات بأن القصة إنتعشت في عهد الإمبراطور جوستنيان 544م حيث يُعثر على أولى الإشارات الكنسية لها. لكن الناقد Topper U. يعقب قائلا: بإن إزدهار النقاش حول فكرة القيامة وعقيدة البعث، لابد إشتعلت مع شيوع فكرة "نهاية العالم " بين القرنين 12 و13 م إثر إندلاع الطاعون الذي ضرب أوروبا، ففي ذلك الوقت نعثر على وثائق كتابية مدوّنة لهذه الأسطورة كما وردت عند ميخائيل السوري 1199م الذي نسب معلوماته إلى مطارنة من القرن السادس م ، كما نسبت نصوص أخرى إلى غريغور الطوروسي (540ـ594 م) لكنها تبدو غير منطقية لأنها جعلت أحداث القصة تدور في مرسيلية (جنوب فرنسا) وبالعموم فإن القصة كانت متشرة ومؤثرة في مجمل حوض المتوسط والدليل أن مغارة أفسس مازالت تحتل موقعا مقدسا في الذاكرة المسيحية ومازالت حتى يومنا قبلة للحجيج بعد روما والقدس (2).
رابعا: أيضا وفي السياق الزمني للقصة أتوقف قليلا عند آية: ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعاً قل الله أعلم.. فالملاحظة النقدية تمنح الإنطباع بأن النص القرآني كان يعلم بالجدل الدائر حول مدة نوم الفتية، لهذا إستقى الرقم 309 سنة الأكثر شيوعا، وهو برأيي المتواضع عبارة عن 300سنة شمسية (حسب التقويم البيزنطي) أضيف لها تسع سنوات لتعادل الحساب القمري الإسلامي، من هنا يمكن أن يلمس القارئ: "أثر الأرجحة" (3) للتراث المسيحي على النص القرآني والعكس، خصوصا وأن الأستاذ السوّاح يعلمنا بأن مدة السبات حسب النص السرياني بلغت 307سنة. بكلمات أخرى لايُستبعد أن يكون هذا الرقم السرياني متأثرا بالنص القرآني.
رابعا: ليست قصة أهل الكهف هي الإعجاز الوحيد فعلى منوالها تخبرنا سورة البقرة ـ259 عن رجل مر بقرية خاوية من عروشها "قال انى يحيي هذه الله بعد موتها فاماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما او بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر الى طعامك وشرابك" إلى آخر الأية وهي تتشابه مع قصة أهل الكهف ومع نص توراتي في حزقيال 37
في الختام أود أيضا أن أتوقف عند بعض المقاربات بين النصين القرآني والسرياني كما أوردها الأستاذ السوّاح:
فالروايات المسيحية عموما تعتبر عدد الفتية سبعة(4) لذا تسمى بقصة "النيام السبعة" وهي ترادف مقولة "أهل الكهف" لكن النص القرآني يوحي بوجود جدل واسع حول عددهم: سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم، ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجماً بالغيب، ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم. قل ربّي أعلم بعدتهم.
أليس محيّرا حقا أن يذكر النص هذا الجدل ثم لايعلمنا بعددهم الحقيقي، ولماذا يبقي عددهم سرا من الأسرار الإلهية "قل ربّي أعلم بعدتهم" ؟ أم أن المسألة تعكس حيرة ضمنية لآخرين يعرفهم ويقدرهم القارئ العلماني؟ وهذا ينطبق أيضا على عدد سني سباتهم، فالآية تقول: - ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وزادوا تسعاً. والله أعلم بما لبثوا. والسؤال يكرر نفسه: لماذا أبقانا النص في حيرة ولم يخبرنا بعدد السنين ويحسم الجدل؟ أليس حريا بالعليم أن يخرجنا من جهلنا وينجينا من غينا وشرورنا؟ ومن ثقافة الكهوف

هوامش:
1ـ فصل النيام السبعة: Die sieben Schläfer
Geschichtsfälschung von : Uve Topper 2000
2 ـنفس المصدر
3ـ أثر الأرجحة ترجمة لفظ ألماني Schaukeleffektوالمقصود بها التأثير المتبادل .
4ـ يبدو لي أن رقم ثمانية غير محتمل، بسبب السطوة الميثولوجية للرقم سبعة

هناك تعليق واحد:

  1. أهل الكهف في قمران جنوب أريحا على شاطئ البحر الميت
    بقلم: عطية زاهدة
    The Dead Sea Scrolls

    قصة أهل الكهف في القرآن الكريم
    يقولُ عالمُ الغيبِ والشـهادةِ، سبحانَهُ وتعالى: "أَمْ حَسِبْتَ أنَّ أَصْحبَ الكهفِ والرقيمِ كانُوا مِنْ ءايتِنا عَجَباً (9) إذْ أَوَى الفِتْيَةُ إلى الكَهْفِ فَقالُوا: رَبَّنا ءاتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أمْرِنا رَشَداً (10) فَضَرَبْنا عَلى ءاذانِـهِمْ في الكهفِ سِنيَن عَدَداً (11) ثُـمَّ بعثْنهُمْ لِنَعْلَمَ أيُّ الِحزْبيْنِ أحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً (12) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالحَقِّ إنَّهُمْ فِتْيَةٌ ءامَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنهُمْ هُدىً (13) وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إذْ قامُوا فَقالُوا: رَبُّنا رَبُّ السَّموتِ والأرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دونِهِ إلهاً لَقَدْ قُلْنا إذاً شَطَطاً(14) هَؤلاءِ قَوْمُنا اتَّخَذُوا مِنْ دونِهِ ءالِهَةً لَوْلا يَأْتونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطنٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِباً؟! (15) وَإذِ اعْتَزَلْتُموهُمْ وما يَعْبُدُونَ إلاّ اللهَ فَأْوُا إلى الكَهْفِ يَنْشُرْ لكُمْ ربُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ ويُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أمرِكُمْ مِرْفَقاً (16) وتَرى الشَّمْسَ إذا طَلَعَتْ تَزوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ اليمينِ وإذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ وهُمْ في فَجْوَةٍ مِنْهُ ذلِكَ مِنْ ءايتِ اللهِ مَنْ يَهْدِ الُلهُ فَهُوَ المُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً (17) وتَحْسَبُهُمْ أيْقاظاً وَهُمْ رُقودٌ ونُقَلِّبُهُمْ ذاتَ اليميِنِ وذاتَ الشِّمالِ وِكَلْبُهُمْ بسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالوَصيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً ولَمُلِـئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً (18) وكَذلِكَ بَعَثْنهُمْ لِيَتَساءَلوا بَيْنَهُمْ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ: كَمْ لَبِثْتُمْ؟ قالُوا: لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بعضَ يَوْمٍ. قالُوا: ربُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ؛ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إلى المدينةِ فَلْيَنْظُرْ أيُّها أزْكى طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً (19) إنَّهُمْ إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أوْ يُعِيدُوكُـمْ في مِلَّتِـهِمْ وَلَـنْ تُفْلِحُوا إذاً أبَـداً (20) وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وأنَّ الساعةَ لا رَيْبَ فِيها إذْ يَتَنـزَعونَ بيْنَهُمْ أمرَهُمْ فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيناً ربُّهُمْ أعلَمُ بِهِمْ قالَ الذينَ غَلَبُوا عَلى أمرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً (21) سَيَقولُونَ ثَلثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ ويقولونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بالغيْبِ ويقولونَ سبعةٌ وثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ ربِّي أعلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إلاّ قليلٌ فَلا تُـمارِ فيهِمْ إلاّ مِراءً ظهِراً ولا تَسْتَفْتِ فيهِمْ مِنْهُمْ أحداً (22) ولا تَقولَنَّ لِشَاْىْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً (33) إلاّ أنْ يشاءَ اللهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ وَقُـلْ عَسى أنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْـرَبَ مِنْ هـذا رَشَــداً (24) ولَبِثُوا في كهفِهِمْ ثَلثَ مِائَةِ سِنيَن وازْدادُوا تِسْعاً (25) قُلِ اللهُ أعلمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غيْبُ السموتِ والأرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وأَسْمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دونِهِ مِنْ وَلِيٍّ ولا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ أَحَداً(26).
    أوَراءَ كلِّ اكتشافٍ عظيمٍ "عنزة"؟
    لقد قدَّر اللهُ سبحانَهُ وتعالى أنْ يكتشفَ رعاةٌ من عربِ التعامرةِ الكرامِ القاطنين في برّيّةِ بيتَ لحمَ أولَ مجموعةٍ مِنْ مخطوطاتِ قمرانَ. كانَ ذلكَ في العامِ 1947م؛ وقيلَ – وربَّما هوَ الأصَحُّ – في عامِ: 1946م. وإذْ إنَّ قمـرانَ، منْ عشراتِ القرونِ، مقفرةٌ موحشةٌ، فقد كانتْ تمرُّ عليْها عشراتُ السنينَ دونَما طارقٍ مِنَ الناسِ. وأمَّا اليومَ – عامَ 2006م - فتمرُّ بِها طريقٌ عامرةٌ تقودُ إلى مُتَنَـزَّهاتِ عَيْنِ الفَشْخَةِ .
    افتقد الراعي التعمريُّ " محمد الذيب" في رواحِهِ ذاتَ يومٍ من ربيع العام 1946عنزةً، وأخذَ يبحثُ عنها في الشعابِ الجبليّةِ في منطقة قمران، جنوب مدينة أريحا، على الشاطئِ الغربيِّ الشماليِّ للبحر الميت.. وأثناء البحثِ في سويعاتِ الأصيلِ رأى فتحةً فقذف عبرَها حجراً، فسمعَ صوتَ فخّارٍ يتكسَّر، فتوقّعَ جراراً تحوي ذهباً.. ولكنَّهُ بسببِ عتمةِ الكهفِ المنفتحِ إلى الشرق، إذْ كانتِ الشمسِ تعانقُ أفقَ الغروب، وخشيةً من احتمال وجودِ الثعابين والذئابِ في داخل الكهف، فقد عزمَ على أنْ يغدوَ إليْهِ فيدخلَهُ على أنوار الشروقِ. ولكنّهُ ذكرَ الأمرَ لراعيَيْنِ آخريْنِ ممّنْ يبيت معهم في تلك البريّةِ. وما أنْ تبيّنَ الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسود من فجرِ اليوم التالي، حتى كان أحدهما واسمه "جمعة خليل" قد تسلّلَ إلى الكهفِ دونَ إشعار " محمد الذيب"؛ يجرُّهُ الطمع في الأملِ بالعُثورِ على كنزٍ عظيمٍ وجمع ثروةٍ عظيمة . ولكنَّهُ وجدَ مخطوطاتٍ قديمةً في جرارٍ من الفخار، تحوّلتْ بعدَ بضع سنينَ إلى كنزٍ من نصيبِ مطران السريان وتجار الآثار في بيت لحم .
    ومنْ بعدِ عامِ 1946م، فقدْ حدثتِ اكتشافاتٌ على جولاتٍ امتدَّتْ على زخمٍ إلى عامِ 1956م، وكانتْ حصيلتُها: العثورَ على أحدَ عشرَ كهفاً أسينيّاً، سُمِّيَتْ بالأرقامِ حسبَ تسلسلِ اكتشافِها. واستأنفَ اليهودُ التنقيباتِ في قمرانَ وحولَها بعد احتلالِهمُ الضفّةَ الغربيّةَ عامَ 1967م .
    ونظراً لِأَهميةِ مكتشفاتِ قمرانَ، فقد زادَتِ المُؤَلَّفاتُ فيها إلى هذا اليومِ عَنْ خمسةِ آلافِ كتابٍ؛ وتجاوزتِ المقالاتُ الرصينةُ عَنْها سبعينَ أَلْفاً؛ ونشأَ عَنْها: "علمُ القُمْرانِيّاتِ " qumranology ، وقد اتَّخذَتْهُ بعضُ الجامعاتِ مَساقاً course.
    وتشكلُ تلكَ المخطوطاتُ مكتبةً ضخمةً منْ نحوِ: 875 كتاباً، وآلافِ الجذاذاتِ، رَقمَ الأسينيّونَ معظمَها بالنسخِ المسطورِ على رِقاقٍ منْ جلودِ الماعزِ المدبوغةِ بحبرٍ كانوا يصنعونَهُ من حرقِ العظامِ .
    وقد انتهتِ الرحلةُ بمعظمِ مخطوطاتِ قمران إلى حوزةِ اليهودِ، وجعلوا لها مُتحفاً خاصّاً ذا قبّةٍ متميّزةٍ على شكل جِرار المخطوطاتِ التي عثرَ عليْها الرعاةُ التعامرةُ في الكهفِ الأول، وجعلوا موضعَها بجوارِ الجامعةِ العبريّةِ مقابلَ "الكِنيست". ولم يقمِ اليهودُ بنشرِ محتوياتِ كثيرٍ من المخطوطات؛ و ذلكَ - على الأغلبِ – مخافةَ أنْ ينكشفَ ما فيها مِنَ التبشيرِ بالنبيِّ محمدٍ، عليهِ السلامُ؛ وما في أسفارِ العهدِ العتيقِ المتداولةِ – الآنَ – مِنَ التحريفِ والتزوير؛ ولِما فيها مِنَ المخالفاتِ والمعارضاتِ للفكرِ الصهيونيِّ، ولِرَفْضِ كاتِبيها الاعترافَ بِهِ. وهذا ما يذكِّرُنا بجماعةِ حرَّاسِ المدينةِ المسَمّاةِ: "ناطوري كارتا"، اليهوديّةِ المعاصرةِ المكفِّرةِ والمحرِّمةِ للصهيونِيَّةِ. ولهذهِ الجماعةِ في العالمِ مركزانِ رئيسيّانِ: حيٌّ يعـرفُ باسمِ: "مِئاهْ شَعاريم" – مِئَهْ شَعاريم – أيْ : حيِّ مئةِ بوابةٍ، في غربِ القدسِ؛ والمركزُ الآخرُ في مدينةِ: "بْرُوكْلِن" في أمريكا. ويبدو لي أنَّهم الورثةُ المعاصرونَ لكثيرٍ مِنْ تعاليمِ ملَّةِ الأسينِيّينَ .
    نشأة الأسينيّين :
    ربّما كانَ الأسينِـيِّـونَ Essenes أعجبَ طائفةٍ في تاريخِ الأديانِ. وما هؤلاءِ الأسينيّونَ إلاّ شبابٌ قاموا يُقاوِمونَ قَوْمَهُمْ، بِالنُّصحِ والموعظةِ؛ إذْ دَنََّسَ هؤلاءِ القومُ التوراةَ، وارْتَدُّوا عَنْ شرعِها، وعَنْ ملَّةِ التوحيدِ، فذبحوا للأوثانِ، واتَّخذوا التقويمَ القمريَّ .
    لقد حاولَ اليونانُ في عهدِ "أنطيوكس إيبيفانوس " في القرنِ الثاني قبلَ الميلادِ (176 ق.م – 164 ق.م) توثينَ إمْبَراطورِيَّتِهِمْ، وفي جُمْلَتِها سُكّانُ فَلَسْطينَ، إذْ كانتْ في احتلالِهم منذُ 333 ق.م .
    وكانَ ضمنَ سكانِ فلسطينَ عصرَئذٍ أقَلِّـَّيّةٌ عبريّةٌ معظمُها مُتَهَـوِّدٌ، وقدْ جرفَهُ التَّـوَثُنُ؛ وكان فيها بَقِيَّةٌ من الشبابِ مُحافِظٌ على التوراةِ غيرِ المحُـَرَّفَةِ، فقاوموا التوثينَ، واعتزلوا مجتمعَهم الكافرَ، وتَشَكَّلَتْ مِنْ بينِهم: "طائفةُ الأسينِيِّينَ"، بقيادةٍ "معلّم الحقِّ". وقد جعلتْ هذه الطائفةُ الحفاظَ على التوراةِ، وعلى كتبِ الشرعِ الأخرى، أوجبَ واجباتِها. ولهذا الهدفِ قامتْ بحفرِ مجموعةٍ من الكهوف السرّيّةِ في قفارِ قمران، حيثُ كانتْ تبعثُ إليْها سرّيّاً في كلِّ ليلةٍ مجموعةً من الفتيةِ يقومونَ الليلََ أثلاثاً وهم يتلون تراتيلََ توحيديّةً من مخطوطِ "الهودايوت"، أي الهدايات .
    وتعرضتْ طائفةُ " الأسينِيّينَ" للاضطهادِ العنيفِ على يدِ سلسلةٍ منَ الملوكِ الكهنةِ في عهدٍِ المكّابِيّينَ (165ق.م – 63ق.م ) الذين توثّنوا واتّبعوا اليونانَ. وقدْ بلغَ الاضْطهادُ للأسينيّينَ ذُرْوَتَهُ في عهدِ الكسندر جانيوس (103ق.م–76ق.م )، حتى وصلَ به الأمرُ في السنة الثانيةِ من حكمِهِ إلى مهاجمةِ أريحا ومحيطِها بشكلٍ مباغتٍ، في يومِ عيدِ الغُفرانِ، وقَتَلَ منهم المِئاتِ .

    كيف تشهد المخطوطاتُ أنَّ محمداً، عليْهِ الصلاةُ والسلامُ، رسولُ اللهِ تعالى؟
    أولاً – ذكر محمدٍ في المخطوطات .
    يوجد بين مخطوطات قمران أقدم نسخِ التوراة والأسفار الشارحة لها. ويبدو واضحاً أنَّ أحبارَ اليهود يمنعون كشف هذه النسخ مخافةَ أن يعرفَ الناسُ تبشيرَها بمجيء الرسول محمد، عليه الصلاة والسلام .
    ثانياً - احتواءُ المخطوطات على نصوصٍ غير محرفةٍ تتوافقُ مع ما قصَّهُ القرآن الكريم عن كثيرٍ من أمورِ بني إسرائيل وعن اختلافاتهم .
    ثالثا- ارتباط قصة "أصحاب الكهف والرقيم" بمخطوطات البحر الميت وطائفة "الأسينيّين" ارتباطاً وثيقاً وتفصيليّاً .
    فكيف تشهدُ المخطوطاتُ على صدق نبوة الرسول محمد عليه السلام من خلال ذلك الربطِ؟
    لقد كانت المخطوطات مخبّاةً في كهوف قمران من قبل ميلاد المسيح عليه السلام بنحو قرنٍ إلى أن اكتشفها رعاة التعامرة في العام 1946م . ومعنى هذا أنَّ " محمدا" عليه السلام قد عاش في فترةٍ لا علمَ للناس أثناءها بالمخطوطات وما تحتويه وما يرتبط بها .
    فماذا جاء في قصة القرآن ممّا كشفت عنه مخطوطات البحر الميت؟
    1- بين القرآن أنَّ "أصحاب الكهف والرقيم" كانوا شباباً : "إنَّهم فتيةٌ". وقد تبيّنَ أنَّ "طائفة الأسينيّينَ" كانت تتكوّنُ من الشباب .
    2- الرقيم في اللغة هو المخطوط، وقد كانت طائفة الأسينيّينَ تسمي كتبَها: "روقموت " ، وهي في العبريّةِ جمعُ "روقماه" وتعني المخطوط .
    3- عرفتْ طائفة الأسينيّينَ باسم : "المغائريّين"؛ وذلك لأنّهم كانوا يحتفظون بكتبهم ومخطوطاتهم في الكهوف .. وما دام الرقيم هو الكتاب أو المخطوط فإنَّ "أصحاب الكهف والرقيم" هم أولئك المغائريّون .
    4- اتخذ الأسينيون الكهوفَ تنفيذاً لهذا الأمر : "قوموا في القفرِ سبيلاً لله". وجاء في القرآن: "إذْ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض ".
    5- هربَ الأسينيون إلى الكهوف السريةِ في قمران من "قومِهم" الذين توثّنوا، في سبيل الحفاظ على عقيدة التوحيد، بعدَ تعرُّضِهم لعملّيات ومحاولات الاضطهاد والمذابح، والإعادة في ملةِ الكفر .. ويخبرنا القرآن أنَّ الفتيةَ هربوا من "قومِهم" الذين توثّنوا في سبيل الحفاظ على عقيدة التوحيد بعد تعرُّضِهم لعمليات ومحاولات الاضطهاد والتقتيل، والإعادة في ملة الكفر .
    6- كان الأسينيون يحرصون كلّ الحرص على طهر وزكاء الأطعمة. وقد بيّن القرآن الكريم حرص الفتية البالغ على طهرِ وزكاء الأطعمةِ .
    7- يوجدُ في المخطوطاتِ نصٌّ يقول: "إن هناك مجموعةً من الشباب نائمة وستستيقظُ مرةً أخرى لتجدَ أنَّ يومَ القيامة قريبٌ وأنَّ ما وعد الله به الرسلَ حقٌّ".. وفي القرآن الكريم أنَّ الفتيةَ كانوا نائمين وقد استيقظوا وأعثرَ الله عليهم "ليعلموا أنَّ وعدَ اللهِ حقٌّ وأنَّ الساعةَ لا ريْبَ فيها ".
    8- كان للأسينيّينَ مرشدٌ هوَ : "معلم الحقِّ"، وكان بينهم بمثابة نبيٍّ، وهوَ متساوٍ معهم. وفي قصة القرآن الكريم يوجد معَ الفتيةِ مرشدٌ يوجههم ويعلمهم وهو على اتصالٍ بالوحي: "فأووا إلى الكهف ينشُر لكم ربُّكم من رحمتِهِ ويهيئْ لكم من أمركم مرفقا ".
    9- وفي المخطوطاتِ نصٌّ يتحدَّثُ عن أنَّ "معلم الحقِّ" سيعودُ مع رفقةٍ من الشباب بعد غياب 390 سنة في إقامةٍ مجهولةِ المكانِ.. والقرآن يخبرنا بغياب الفتيةِ والذي كان يرشدهم بقولِه : "ولبثوا في كهفِهم ثلاثمائةٍ سنينَ وازدادوا تسعاً " .
    10- وُجدَ في قمرانَ كهفٌ عرفَ باسم : "الكهف الرابع" كان يخدم طائفة الأسينيّين مأوىً ومكتبةً .. فهو كهفٌ يحوي الروقموت ( الرقيم ) ويأوي إليه فتيتهم . ومواصفاتُ ومشخَّصاتُ هذا الكهفِ هي مثلُ ما يصفُ القرآنُ الكريم؛ فهو منفتحٌ إلى الشرق، ومنفتحٌ إلى الغرب، وبابُه شماليٌّ، وهو ذو فجوةٍ .
    11- وُجدَ على التلةِ المقابلة للكهف الرابع معبدٌ (مسجد)، وبنيانٌُ. وعُثرَ في أرضِ المعبد على نقودٍ فضيّةٍ. وقد بيّنَ القرآنُ اتخاذ الذين عثروا عليهم لمعبدِ وبنيانٍ، وبين أن نقودهم كانت من الفضة : "بورِقِكُم ".
    12- كانَ فتيةُ الأسينيّينَ عندما يدخلون الكهف الرابع يأخذون معاً بتلاوة أدعيةٍ جماعيّةٍ وبصوتٍ مرتفعٍ، وذلك من كتابٍ اسمه : " هودايوت" – الهدايات - . وقد بيّن القرآن الكريمُ أنَّ فتيةَ الكهفِ قدْ اخذوا بالدعاء الجماعي فورَ دخولهمُ الكهفَ طالبين الهدايات :"إذْ أوى الفتيةُ إلى الكهف فقالوا: ربَّنا آتِنا مِن لَدُنكَ رحمةً وهيّئْ لنا من أمرِنا رشداً".. والرشد هو اسمٌ جامعٌ للهدايات .
    هذا غيضٌ من فيضٍ منَ الأدلةِ التي تبرهنُ وتشهدُ أنَّ القرآن وحيٌ من عند الله تعالى، وذلك من خلال الربط بين قصة القرآن الكريم عن : " أصحاب الكهف والرقيم" من جانبٍ، وبينَ الأسينيّينَ ومخطوطات البحر الميت من الجانب الآخر. ويكفي أنَّ آيةً من آياتِ القصةِ تتألَّفُ من 38 كلمةً تشتملُ على نحوِ ثمانينَ حقيقةً من مخطوطات البحر الميت : "وكذلكَ بعثناهم لِيتساءَلوا بينهم قال قائلٌ منهم: كم لبثتُم؟ قالوا: لبثْنا يوماً أو بعضَ يومٍ، قالوا ربُّكم أعلمُ بما لبثتُم فابعثوا أحدَكم بورِقِكم هذهِ إلى المدينةِ فلْينظُرْ أيُّها أزكى طعاماً فلْيأتِكم برزقٍ منهُ ولْيتلطَّفْ ولا يُشعرنَّ بكم أحداً ".
    أجلْ، إنَّ مخطوطاتِ البحر الميتِ تشكِّلُ أكبرَ شهادةٍ وثائقيّةٍ موثّقةٍ وموثوقةٍ تشهدُ بجلاءٍ لا ريْبِ فيهِ أنَّ "محمّداً" رسولُ الله تعالى ، وأنَّ القرآن الكريمَ وحيٌ من عندِهِ إلى هذا الرسولِ الكريمِ. وهي بهذا خيرُ مثالٍ على ما يسمّيهِ البعضُ : " الإعجازَ التاريخيَّ في القرآن الكريم"..
    فهل توقظُنا قصةُ النيامِ؟
    وآخرُ دعوايَ أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ
    بعض المراجع الأجنبية :
    -1ALLEGRO, J., THE DEAD SEA SCROLLS, 1961.
    -2 ALLEGRO .J. DISCOVERIES IN THE JUDEANDESERT OF JORDAN, 1968
    -3 ALLEGRO .J. THE PEOPLE OF THE SCROLLS 5TH EDITION, 1958.
    -4 BRUCE, F.F., SECOND THOUGHTS ON THE DEAD SEA SCROLLS, 1964
    -5 BURROWS, M., THE DEADSEA SCROLLS 14TH EDITION, 1961.
    -6 CROSS, F.,THE ANCIENT LIBRARY OF QUMRAN AND MODERN BIBLICAL STUDIES, 1958.
    -7 BROWNLE, X., THE MEANING OF THE QUMRAN SCROLLS FOR THE BIBLE, 1964.
    -8DAVIES, A.P., THE MEANING OF THE DEAD SEA SCROLLS, 12TH EDITION .
    -9 DUPPONT –SOMMER, A., THE ESSENE WRITINGS FROM QUMRAN, W.P.CO., N.Y., 1962.
    -10 GASTER, T.H., THE SCRIPTURES OF THE DEADSEA SCROLLS IN ENGLISH TRANSLATION, 1957.
    -11 MANSOUR, M., THE DEAD SEA SCROLLS, 1964.
    -12ROWLEY, H.H., THE ZADOKITE FRAGMENTS AND THE DEAD SEA SCROLLS, 1956.
    -13 ROBINSON, C.P., THE DEAD SEA SCROLLS AND THE ORIGINAL CHRISTIANITY, 1958
    -14 SCHOMFIELD, H., SECRETS OF THE DEAD SEA SCROLLS, 1960.
    -15 VERMES, G. THE DEADSEA SCROLLS IN ENGLISH, PENGUIN BOOKS, 1968.
    -16 VERMES, G., DISCOVERIES IN THE JUDEANDESERT, 1956.
    -17 YADIN, Y., THE MESSAGE OF THE SCROLLS, 1957.

    ردحذف