اللغة بين الجد واللغو



تنبه المستعرب الألماني شتاينباخ الى الجذر الثلاثي العربي"حكم" وبيّن أن ايتمولوجيا هذا الفعل (اشتقاقه) يصلنا بمعاني القضاء والعدل والقسط ومنه تحدرت"حكمه"و"حكيم"،أما حكم بمعنى إستأثر بالسلطة، أو تجبر، ومنه"حكومة" فهو تحوّل من المعنى الى ظلاله، ومن الجوهر الى تخومه.

أعترف أن هذه الإلتفاتة النبيهه قد أثارتني بعض الشيئ، رغم أني لست فقيها لغوّيا ولست بصدد كتابة رسالة تهيم غراما باللغة العربية وتكشف جوانبها العبقرية فلاشك أنها لغة فذة وأهم ما أثارني فيها قدرتها الهائلة على الإختصار، عبر استخدامها لتقنية الضمائر المنفصلة، والمتصلة، والغائبة فلا توجد لغة على البسيطة (حسب علمي) تستطيع أن تكثب جملة كاملة بأحرف قليلة "كضربته"التي تجمع الفعل والفاعل والمفعول...وكي لايعتب علي البعض لإستخدامي فعل ضرب الذي يحرض على القسوة والعنف والإرهاب!!!
أقول"سامحوني" فهي جملة كاملة تضمّ أيضا الفعل والفاعل والمفعول!!
وبعيدا عن الإطراء وتملق اللغة وعودة إلى مقولة شتاينباخ الآنفة الذكر فالحقيقة أن اللغة العربية لم تكن لغة المقدس وحسب وكل كلمة فيها تصل الى الله (كما يقول جاك بيرك) الأهم أنها الفنّ الوحيد تقريبا الذي أتقنه العرب (سيما وأنهم قد ازدروا كل الفنون الأخرى كالنحت، والرسم، والموسيقى والمسرح) فمع ازدهارالدولة العباسية ازدهرت صناعة اللغة (البيان، والبلاغة، والعروض والشعر والخطابة والمقامات....) وأصبحت بالتالي لغة الثقافة الكتابية والدواوين وموطن الوعي والهوية والوجدان لكن الأمرالبالغ الخطورة الذي أغفله فقهاء اللغة، هو أن الفصحى كلغة راقية احتجبت دائما في أطر كتابة سلطانية وفقهية ضيقة في حين اقتصر الناس على تداول اللهجات التي لاتزال محكية حتى يومنا هذا، واذا أخذنا بالحسبان أن اللغة وعاء للفكر وآلية يستحيل التفكير بدونها نعرف أن الإنتقال من العامية الى الفصحى هو انتقال ماهوي، في نمطية التفكير، وتنازل عن العفوية والتلقائية والأحاسيس الحية لصالح لغة راقية قادرة على مكيّجة الواقع أو طمسه وحجبه..فمن الأمور الشاقة مثلا القاء نكتة بالفصحى لقد أصاب البعض عندمااكتشفوا فقر تراثنا بالآداب الشعبية (باستثناء ألف ليلة وليلة، وهي من التراث الهندي الفارسي) ان التحاء لغتن االفصحى، وارتدائها للعمامة قد احدث تحوّلا بنيويا في وظيفتها من آلية للفكر والمعرفة الى آلية للتمويه والفذلكة والفهلوة من خلال استخدامها تقنيات التورية، والمجاز والمحسنات اللفظية فأصبحت مباني الكلام، تنوب المباني الحقيقية لحركة التاريخ والمجتمعات أو تكاد تلغيها مما سبب لنا مايمكن تسميه غيبوبة تاريخية؟
فكلمة "وامعتصماه" مثلا ألغت الشروط التاريخية لمعركة المعتصم، وأصبح مجرد السؤال عن القائد البيزنطي الذي هُزم في تلك المعركة أمرا تافها لاقيمة له. وكذلك فإن جملا من شاكلة: خلعت صاحبي، أو قميصا ألبسنيه وغيرها من النصوص التقديسية...أصبحت تحول دون المعرفة التاريخية، عبر حشرالواقع المادي في فضاء لغوي وشعري ضبابي(تقنيات التبرير والطمس)

إن المستعرب المذكور أراد أن يذكّرنا بأن "الحكم" فقد جوهره الحقوقي القضائي ليصبح تعبيرا عن الإستئثار بالسلطة والملك العضود والأمر لم يتوقف عند ذلك بل تجاوزه الى كافة أقانيم الحياة.

فالعقيدة الدينية مثلا: تحولت تاريخيا من كونها تساؤلات وجودية، وعلاقة قدسية ذاتية مع اللامتناهي الى طقوس لغوية، وتمويه للسلطة، المتنعمة بالطيبات، حتى غد االدين وثيقة تعيين وظيفي لطبقة "الإكليروس" التي تأكل خبزها (خمس أجدادها) بعرق غيرها. وبعيدا عن العموميات (والتعمية) لابد من الإعتراف أن موروثنا قد خلع على اللغة رداء من القدسية، وأتخمها بالكثير من المدوّنات الإجترارية، الفارغة .فاذا استثنينا عبقرية الجاحظ وبصيرة المعري وروح المتنبي الخالدة وعقل الرازي وابن رشد وابن طفيل وابن خلدون، أقول اذا استثنينا أمثال هذه العقول الحادة، نكون أمام تاريخ مصاب بتخمة لغوية.
فماذا يمكننا أن نقول عن "تاريخ دمشق"الذي دوّنه ابن عساكر في 84 مجلد (لاأدري ان كان قد دوّن ،اسم كل نملة دمشقية، واسم عشيرتها!!) ان هذه التخمة اللغوية كانت وسيلة للحظوة والسلطة، وهي التي دفعت مايسمى بالعلماء أن يدوّنوا تحت مصابيح دون أن يتساءلو اقط لماذت تنطفئ إذا حبس الهواءعنها (حتى اكتشف لافوازييه الأوكسجين ).
ومع أننا نعيش في عصو ر جديدة إلا أننا ما نزال نستخدم نفس تقنيات التورية والتمويه والمراوغة والقفز من المعنى الى شتات المعنى.
الإشتراكية والعدالة والدستور والجمهورية والحرية هي ألفاظ تجميلية لواقع مغاير تماما..الجمهورية والجماهيرية والملكية والإمارة والسلطنة لا تحمل إلا مضمون احتكار السلطة والثروة من قبل بعض الأسر أو القبائل وتوريثها الى أن يرث الله الأرض وما عليها والإشتراكية كلمة أنابت الفساد والرشوة ونهب قوت الناس حتى أصبحت دولنا أشبه بمغارات لصوص يلتهم فيه االأفاقون والحوّاسون،غنائم الوطن وخيراته وكذلك الأمر مع مفردة الأمن (عام ، مركزي، دولة) التي ابتعدت عن الأمن والأمان لتصبح أداة لترويع الناس.
أما الحرية فهي كلمة مازالت تقبع خلف قضبان السجون وتدميها هراوات الشرطة وكذلك الحال مع الأمربالمعروف (المتعارف عليه)والذي أصبح رديف التمسك بجاهلية القرون ومن المضحك المبكي أن تصبح الديمقراطية آخرالضحايا اللغوية فحيث أنها آلية لحكم الشعب، وصورة لعقد اجتماعي علماني، استطاع أن يطرد المقدس من التاريخ وأن ينزل المرجعيات من السماء الى صناديق الإقتراع ،ليحتكم الناس بارادتهم الحرة وبما أنها نظام فصل السلطات والحريات الفردية وحرية الإعتقاد إلا أنها سرعان ماتحولت عندنا الى مسوح للطائفية واحصاء سكاني للملل والنحل وصكوك غفران توزعها مرجعيات قروسطية.
إن الواقع الراهن يدعونا لضبط ألفاظنا وتعريف المصطلحات التي نتداولها فنظام الحكم في بلادنا ليس نظاما وليس حكما والسياسة ليست أكثر من ممارسة لغرائز غير مؤنسنة.
وأتذكر بالمناسبة قصة عن أحتفال الأتراك بإعلان الدستور عام 1908 بعيد عزل السلطان عبدالحميد حينها تعجب أحد الأوروبيين من هذا الكرنفال ومن الذين هتفوا للدستور!! فهو يعلم أن الدستور أكثر من نصوص يكتبها (الأصح يترجمها) بعض القانونيين الدارسين في الغرب لإنه المبادئ العامة للعقد الإجتماعي، والقواعد التي يجب أن يخطها الجمهور بأظافره وعرقه ودموعه ويخضبه بدمائه.
والسؤال الحاسم: هل كنا في يوم من الأيام جمهورا أو جماهيرا ؟ أم أننا ما نزا ل رعيّة ترعى في حقول السلطان؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق