
قديما كنت أمقت أثرياء العرب، ربما لدوافع مكبوتة كالحسد أو الرهبة، الآن صرت أشفق عليهم، خصوصا عندما ألقاهم في مطارات أوروبا يجرون مضاربهم وحريمهم وخادماتهم أو عندما أرى أولادهم يتدعبلون بين الحقائب لفرط سمنتهم.
أجل أشعر بالحزن لأنهم كالأيتام على مأدبة اللئام...مساكين لاحول لهم ولا دول تحميهم ولا علم يظللهم، ولا عالم يحنو عليهم...كل ما بذروه تتلقفه الطير، وكال ما حصدوه تبعثره الريح (مع علمي أنهم لابذروا ولاحصدوا)، فهم لايملكون ( ما يملكون) جوامعهم وصوامعهم وكنائسهم ...وبيوتهم وقصور أمرائهم تلتفت إلى السماء مذعورة، لأنها تعيش تحت رحمة الطائرات الإسرأمركية...حتى برج العرب في دبي، المنتصب فوق الخليج (بفعل فياغرا البترودولار) قد يذوي ويضجع ..كل شيئ ينتظر دوره ليصبح طللا، وعصفا مأكولا وأثرا بعد عين...كل الأموال والكنوز سترحل في يوم ما إلى جيوب غيرهم، كما حصل مع مئات المليارات الخليجية، في سوق المال الوهمي!!
مساكين... اختاروا الصمت ( كخيار استراتيجي) ولاذوا بالمكر والتذلل، متناسين أن إسرائيل لن تغمض عيونها ولن تنام، قبل أن تعيدهم لرعي الإبل وتعيد القمل ليرعى في رؤوسهم...هذا ماكان يعصف به ذهني، وأنا أرتقي تلة الحمراء بغرناطة (من جهة حيّ البيازين )، حينها تناهى إلى مسمعي خبر وقف إطلاق النار في لبنان ..لا أنكر أني تنفست الصعداء، فهذه الحرب سببت لي تمزقا، كاد يفتت آدميتي، ويهشم ما تبقى فيها من أواني المعرفة والعقلانية. فالقضية لم تتوقف عند القصف الإسرائيلي المفرط في الوحشية ولا عند القصف الفضائي براجمات الأخبار والصور ...بل تعدته بعيدا لنرى الوجه القبيح للنظام الدولي ولنرى صورة العجز في قوى الضمير، وانهيار قواعد الأنسنة ( كإتفاقيات جنيف المتعلقة بحماية المدنيين ) أو كما لخصّها الجنرال عون: بإحتضار الحضارة..فحروب مابعد مانهاتن هي جرائم ترويعية وكأن الحرب أصبحت هدفا لذاته، بعد أن كانت في الماضي ذراعا للسياسة أو خطابا بالمدافع ساعة تتعطل لغة الكلام..الحرب للحرب تشبه إلى حد بعيد نظرية الفن للفن..فما الذي جنته مثلا إدارة بوش من تدمير بيوت الطين الأفغانية البائسة ، بصورايخ باهظة التكاليف؟ ماذا ربحت من حربها على الإرهاب عندما خنقت مع حلفائها مئات الطالبان، عقب استسلامهم في مدينة قندوز عام 2001، وذلك بنقلهم في حاويات مغلقة؟ كيف لي أن أفهم مجزرة مخيّم جنين ( إثر مصرع بضعة جنود إسرائيليين) أو تدمير مدينة الفلوجة ( في أعقاب محاولة إغتيال الجنرال جون أبي زيد )
إن حروب مابعد مانهاتن، هي تنفيس عن غرائز الإنتقام ليس إلا. حروب تنهل مبادئ القصاص من سفر يوشع التوراتي، الذي أمر بإبادة العدو، وإطفاء كل نفس تشتعل بالحياة. حروب إستباقية على طريقة هيرودوس، الذي أمر بقتل جميع المواليد الذكور، بعد سماعه عن نبوءة ولادة المسيح كما تذكر الرواية الإنجيلية لهذا كان لبنان على موعد مع القنابل، فكل شجرة وبيت وطريق تحوّل إلى هدف ظنّي محتمل لأنه قد يخفي نصرالله ومقاتليه، وكل سيارة ودابة قد تنقل العتاد لهم.
أية شرعية تلك التي تبيح لهؤلاء القادمين من أصقاع الدنيا كي يرسلوا دباباتهم إلى القرى والمدن والمخيمات، ويضعوا حرابهم على رقاب الناس، ويغلقوا الموانئ ويقلبوا زوارق الصيد ؟ ويسجنوا ويقتلوا؟؟
إنهم دولة من السائحين الذين أطالوا إقامتهم بيننا؟؟ لماذا لايرحلوا عنا ويتركونا فلدينا من المشاكل ما تنوء له الجبال.. لما لا يتركونا نحيا كما نريد، نحب ونكره كما نشتهي؟ نحن نعشق الديكتاتوريات، ونمجد التخلف ..ونحب نصرالله والجنرال عون وشافيز وفيروز وسارتر وجومسكي وعوض الدوخي. لماذا يدخلون لغتهم المكسرة في حياتنا ( خماس) ( خزب الله)
اتركونا يا أخي أتركوا حاءنا لنا وخذوا خاءكم وارحلوا ..نحن قرود وأولاد كلب ما شأنكم بنا فهذه الأرض أرضنا نحيا عليها منذ عصور النياندرتال
اتركونا نحن لانحب الدمار ولا إعادة الإعمار ( شخصيا عشت في حوران مع جدي وأبي في دار من العصر الروماني المتأخر)
كنت هائما على وجهي لحظة توقفت الحرب. أنظر في خمائل جنة العريف، وأسمع عزف النافورات الأندلسية، وخرير جداول الماء القادمة من جبال سيرانيفادا....كنت أحدق في المطرزات الجدارية الرائعة في بهو السباع وصالة البركة وقمارش وانظر إلى الزوّار الذين حبسوا أنفاسهم أمام روعة المكان وسحره. تذكرت أن العرب ( المساكين ) هم من أبدع هذه التحفة الخالدة.
يا إلهي أي عشق جنوني ترك هؤلاء!! هل كان لهم أن يبدعوا هذا الجمال لولا عشقهم للحياة ؟؟
سؤال عابر أتركه للعابرين بين السطور، الذين لم يقدّموا للعالمين إلا الأسطورة والدمار
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق